مقالات

“مش كل جرح بيبان… بس كل جرح بيأثر!” كيف تُشكّل صدمات الطفولة شخصيتنا دون أن نشعر؟

بقلم: د. إيمان قامش

إستشاري إرشاد أسري ونفسي

في كثير من الأحيان، نُقابل أشخاصًا يصفون أنفسهم بأنهم “حسّاسون زيادة عن اللزوم”، أو “قلقون بطبيعتهم”، أو “لا يثقون بسهولة في الآخرين”. لكن ما لا يدركه البعض أن هذه السمات ليست دائمًا جزءًا أصيلًا من الشخصية، بل قد تكون امتدادًا لصدمات نفسية قديمة… لم يتم علاجها.

الطفل لا يمتلك القدرة النفسية الكافية لفهم أو استيعاب الألم الذي يتعرض له، خاصة إذا كان هذا الألم متكررًا أو صادرًا من أقرب الأشخاص إليه. فيلجأ العقل إلى آلية دفاعية خطيرة: تخزين الألم بدلًا من معالجته. ومع مرور الوقت، يكبر هذا الطفل… لكن الألم يظل كما هو، يتسلل إلى أفكاره، ومشاعره، وسلوكياته.

صدمات الطفولة لا تقتصر على الأحداث الكبيرة فقط، بل قد تكون في صور يومية متكررة مثل: الإهمال العاطفي، النقد المستمر، المقارنة بالآخرين، أو غياب الشعور بالأمان. هذه التجارب تترك رسائل عميقة داخل الطفل، مثل: “أنا غير كافٍ”، “أنا غير مهم”، أو “العالم مكان غير آمن”.

ومع الوقت، تبدأ هذه الرسائل في تشكيل ملامح الشخصية. فقد يعاني الشخص من ضعف الثقة بالنفس رغم نجاحاته، أو يدخل في علاقات غير صحية بشكل متكرر، أو يعيش في حالة دائمة من القلق والخوف دون سبب واضح. البعض قد يتجه إلى التعلق الزائد خوفًا من الفقد، بينما يختار آخرون الانسحاب العاطفي كوسيلة لحماية أنفسهم من الألم. الأخطر من ذلك، أن كثيرين يعيشون بهذه الأنماط وهم يعتقدون أنها “طبيعتهم”، دون إدراك أنها مجرد أثر نفسي قابل للفهم والتغيير.

 

إن الوعي هو الخطوة الأولى نحو التعافي. عندما يبدأ الإنسان في فهم جذور سلوكياته ومشاعره، يصبح أكثر قدرة على التغيير، وعلى منح نفسه ما كان يحتاجه في الماضي من أمان واحتواء.

في النهاية، لا يمكننا تغيير ما حدث لنا، لكن يمكننا أن نختار كيف نتعامل معه. فالتعافي ليس رفاهية، بل ضرورة لنعيش حياة أكثر توازنًا وطمأنينة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى