حياتنا على مقاس غيرنا

كتبت د.عبير عاطف
لا تسمح لأحد أن يخيط حياتك بخيوط لا تناسبك. لا تعيش حياتك بمعايير الآخرين .
كلنا اتربّينا على إننا “لازم نرضي الناس” ونخاف من زعلهم، لحد ما بقينا نعيش حياتنا على مقاس غيرنا، مش على مقاسنا إحنا. نلبس ما يرضيهم، ندرس ما يفتخرون به، ونختار حتى قراراتنا المصيرية وفقًا لنظرتهم وتوقعاتهم. ومع مرور الوقت، نفاجأ بأننا فقدنا أنفسنا وسط دوامة من محاولات الإرضاء المستمرة.
الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون أن إرضاء الجميع مهمة مستحيلة. فالناس مختلفون، وما يرضي أحدهم قد يثير استياء آخر. وحين نضع سعادتنا في يد الآخرين، فإننا نترك مصيرنا معلقًا على رضاهم، ونسمح لهم أن يحددوا شكل حياتنا وقراراتنا.
قد تبدأ الحكاية بفتاة تختار ملابسها على مقاس نظرات الناس، لا على مقاس راحتها. أو بشاب يدخل كلية لا يحبها لأن “أهله عايزين كده”. وقد تمتد إلى موظف يستمر في وظيفة لا تشبهه خوفًا من كلام المجتمع لو غيّر طريقه. بل إن كثيرين يتزوجون أو يرفضون الزواج ليس وفقًا لاحتياجات قلوبهم، بل وفقًا لضغوط العائلة والمحيط. حتى في أبسط التفاصيل، مثل السفر أو اختيار الهواية، نجد أنفسنا نميل إلى ما يبدو جميلًا أمام الآخرين لا ما يسعدنا نحن.
العيش بهذه الطريقة يترك ندوبًا داخلية عميقة. فمن يعيش حياة مفصّلة على مقاس غيره يظل في حالة من الضغط النفسي المستمر، يخشى النقد أكثر مما يبحث عن الرضا الذاتي. ومع الوقت يفقد القدرة على التمييز بين ما يريده فعلًا وما يُفرض عليه، فيدخل في دوامة من فقدان الهوية وانخفاض تقدير الذات. وربما يصل إلى مرحلة الاكتئاب أو الشعور بالفراغ الداخلي رغم نجاحه الظاهري.
الحقيقة أنك لن تجد من يمنحك السعادة والرضا والتوافق النفسي على طبق من فضة. حتى أقرب الناس إليك لن يستطيع أن يعيش بدلًا منك. السعادة تصنعها أنت، والرضا ينبع من داخلك، والتوازن النفسي هو نتيجة طبيعية لأن تفعل ما يرضيك أنت، حتى ولو لم يسعد الآخرين. فالعيش في وفاق مع نفسك أثمن ألف مرة من العيش على مقاس غيرك.
لكن اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن يستعيد حقه في الاختيار هي لحظة الميلاد الحقيقي. حين يعيش على مقاسه الخاص، يشعر بالتحرر، ويستعيد ثقته بنفسه، ويصبح أكثر قدرة على مواجهة انتقادات الآخرين لأنه ببساطة يعيش حياة تشبهه هو، لا حياة مصطنعة لإرضائهم.
ابدأ الآن: عش حياتك على مقاسك لا على مقاس غيرك
إذا كنت تشعر أن حياتك تُدار بمعايير الآخرين، فالفرصة ما زالت أمامك لتستعيدها. الأمر ليس تمردًا، بل استرداد لحقك الطبيعي في أن تكون نفسك.
“خطوات عملية لتعيش على مقاسك:
1. اسأل نفسك دائمًا: هل هذا القرار يعبر عني أنا، أم هو إرضاء لغيري؟
2. ضع حدودًا واضحة: قل “لا” حين يكون الأمر ضد قناعاتك أو راحتك.
3. اكتشف ذاتك: جرّب ما تحبه فعلًا، لا ما يُتوقع منك. الهوايات الصغيرة بداية جيدة.
4. تقبّل النقد: تذكّر أن الاختلاف طبيعي، ولن يرضى عنك الجميع مهما فعلت.
5. ابدأ بخطوات صغيرة: غيّر في تفاصيل حياتك تدريجيًا، لتشعر أنك أقرب لنفسك يومًا بعد يوم.
ختاما ….
الحياة قصيرة جدًا على أن تُفصّل بمعايير الآخرين. أن تعيش على “مقاسك” يعني أن تكون صادقًا مع نفسك، تختار ما يجعلك مرتاحًا، حتى لو لم يصفق لك الجميع.
فلا تسمح لأحد أن يخيط حياتك بخيوط لا تناسبك. أنت وحدك من يعرف المقاس الحقيقي لقلبك وأحلامك.
بقلم
د.عبير عاطف



