مقالاتمنوعات

جراح صامتة: حين يُحاكم المجتمع الفتاة بتأخر زواجها

بقلم: د. عبير عاطف 

 

لا نزال في مجتمعنا نتمسك بأفكار عقيمة ترى في الزواج المعيار الوحيد لقيمة المرأة ومكانتها. فإذا تأخر سن الزواج، تتحول البنت في نظر الناس إلى ملف مفتوح للأسئلة والتأويلات، وكأنها مطالبة بتقديم تبريرات عن حياتها الخاصة، بينما الأمر في الحقيقة لا يعني سوى صاحبة الشأن وحدها.

في كل مناسبة اجتماعية—عيد، عرس، زيارة عائلية—تُطرح الأسئلة الجارحه بصيغ متكررة: “لسه ما اتخطبتيش؟”، “إيه المشكلة؟”، “مش عايزين نفرح بيكي؟” وكأن حياة البنت مجرّد انتظار لطقس واحد يحدد مصيرها.

لكن، هل توقف أحد ليسأل نفسه: ما شعور هذه الفتاة من أسئلتكم الجارحة؟

هل يدركون أن كلماتهم قد تُطفئ ابتسامة مؤقتة، وتترك خلفها دموعًا صامتة؟ أن السؤال الذي يقال بدافع “الفضول” قد يفتح بابًا من الحزن، ويزرع شعورًا بالنقص أو العجز؟

ثم ماذا تفعل هي إن كان قدر الله لم يشأ لها الزواج بعد؟ هل يُعقل أن تُحاسَب على أمر ليس بيدها؟ أن تُعاقَب وكأنها قصرت في شيء وهي لا تملك من أمرها شيئًا؟ تلك الأسئلة الجائرة تضعها في موضع المتهمة بلا جريمة.

وفوق ذلك، تعيش البنت أحيانًا صراعًا داخليًا مؤلمًا حين ترى من هي أصغر منها سنًا أو أقل منها جمالًا وقد تزوجت، بينما هي لا تزال في دائرة الانتظار. مشاعر الغيرة، الحيرة، والخذلان تتسرب إليها رغماً عنها، لتضاعف من ثقل المجتمع عليها.

الفتاة التي تتأخر في الزواج قد تكون طبيبة ناجحة، معلمة مخلصة، فنانة موهوبة، أو حتى إنسانة اختارت ببساطة أن تعيش وفقًا لأولويات مختلفة. لكن المجتمع—بعيونه الضيقة—يتجاهل كل ذلك، ويختصر وجودها في خانة “لم تتزوج بعد”.

المفارقة أن نفس المجتمع الذي يضغط على الفتاة بأسئلته، لا يوجه نفس القسوة تجاه الرجل الذي تأخر في الزواج. بل على العكس، قد يُنظر إلى تأخره باعتباره “حرية” أو “بحثًا عن الاستقرار المناسب”، بينما الفتاة تُحاصر باللوم والشفقة وكأنها ارتكبت ذنبًا.

إن هذه النظرة القاصرة لا تظلم البنات فقط، بل تعكس عجزًا جماعيًا عن احترام اختيارات الفرد وظروفه. الزواج ليس معيارًا وحيدًا للحياة، ولا تأخره يعني فشلًا أو نقصًا. قيمة الإنسان تُقاس بإنجازاته، أخلاقه، وعلاقاته الإنسانية، لا بعقد ورقي.

ختاما: 

تذكروا أن الزواج رزق بيد الله وحده، يؤتيه من يشاء في الوقت الذي يشاء. فلا تجعلوا من أسئلتكم القاسية عقوبة إضافية فوق قدر الله الذي لم يأذن بعد بالزواج. ادعوا بدل أن تجرحوا، وساندوا بدل أن تحاسبوا. فالفتاة التي تنتظر نصيبها لا ينقصها شيء، إنما ينقص مجتمعنا أن يتعلم الرحمة والكلمة الطيبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى