منوعات

قانون الجدة

بقلم: د. عبير عاطف

 

في حياة كل بنت لحظات تقف فيها أمام اختيار: هل تفعل ما يُرضي ضميرها أم ما يرضي من حولها؟ هل تختار ما هو صحيح أم ما هو سهل؟ هنا يظهر ما يسميه التربويون بـ قانون الجدة؛ قانون غير مكتوب لكنه أصدق من آلاف القوانين. فالفكرة بسيطة: قبل أي قول أو فعل، اسألي نفسك: هل أستطيع أن أحكي ما فعلت لجدتي أو أمي دون أن يعلوني الخجل؟

هذا السؤال الصغير قد ينقذ ابنتك من خطوات خاطئة، ويمنحها في المقابل شجاعة أن تختار الحق، وتعيش بسلام مع نفسها ومع الآخرين.

تعود فكرة “قانون الجدة” إلى بعض المربين في الغرب الذين لاحظوا حاجة الناشئة إلى معيار داخلي يردعهم قبل الخطأ. فاستعاروا صورة “الجدة” كرمز للحكمة والبراءة معًا، فهي تمثل عينًا محبة لكنها صافية، لا تجامل ولا تساوم.

جاءت التسمية لأن أغلب الناس، مهما كبروا، يحرصون أن يبدوا في صورة مشرّفة أمام الجدة أو الأم، فهما مرآة الضمير الجمعي للأسرة. لذا صار السؤال: هل أستطيع أن أُخبر جدتي بهذا؟ أداة قوية لضبط السلوك وتوجيهه.

ما المقصود بالقانون؟

المقصود ببساطة أن يتعلم الفرد محاسبة نفسه بطريقة عملية وسهلة: إذا كان الفعل أو الكلمة تستحق أن تُقال بوضوح أمام الجدة دون شعور بالخزي، فهي غالبًا سليمة. أما إن شعر الفرد بالحرج من روايتها لها، فهذا مؤشر أن في الأمر خطأ أو تجاوز. إنها طريقة لتفعيل الضمير الأخلاقي بعيدًا عن التعقيد.

قانون الجدة وتربية البنات: 

حين نطبّق قانون الجدة في تربية البنات، نحن نغرس داخلهن وازعًا ذاتيًا يسبق كل رقابة. فبدلًا من الاكتفاء بالتحذيرات أو التعليمات الجافة، يمكن أن نمنحهن أداة بسيطة يسألن بها أنفسهن: لو رأت جدتي ما أفعل، هل سأشعر بالخجل أم بالفخر؟

هذه الفكرة تبني في البنت ضميرًا يقظًا يجعلها تختار الصواب حتى حين تغيب العيون عنها، وتدرك أن الحياء ليس قيدًا، بل زينة تحفظ قلبها وكرامتها.

كيف نربي بناتنا تربية ملتزمة متوازنة؟

التربية ليست شدًّا للحبل ولا إطلاقًا له بلا قيود، بل هي فن السير بين الضفتين: الالتزام والحرية. فإذا أردنا لبناتنا أن يلتزمن بقيمهن دون أن يشعرن بالاختناق، فهناك ملامح أساسية:

القدوة أولًا: البنت لا تسمع بقدر ما ترى. حين تجد أمها وأباها يطبّقان قانون الجدة في حياتهما، تصبح هي بدورها أكثر التزامًا دون إكراه.

الحوار الدائم: البنت تحتاج أن تفهم “لماذا”، لا أن تتلقى الأوامر فحسب. عندما نشرح لها معنى الحياء، الصدق، أو المسؤولية، فإنها ستعيشها عن قناعة، لا خوفًا.

المساحة الآمنة: نترك للبنت مساحة لتجرب وتخطئ تحت عين الأسرة، فتتعلم بنفسها أن بعض التصرفات خاطئة. التربية المتوازنة تحميها لكنها لا تخنقها.

اتيكيت التعامل ما يقال وما لايقال كيف نضحك كيف نسير فى الشارع كيف نصعد السلم كيف نسلم كيف نلبس وكيف نتحدث .علمى ابنتك أن الإلتزام والحياء ليس راجعيه إنما قمة الرقى أن تجعلى من يراكى يدعوا لمن رباكى. 

زرع القيم بدلًا من فرضها: القيم حين تُغرس بالحب والقصص والقدوة، تثبت أكثر مما لو فُرضت بالقوة. البنت التي تربّت على احترام ذاتها، ستعرف بنفسها متى تقول “لا”.

استخدام قانون الجدة كأداة عملية: بدل أن نغرقها في “يجب” و”لا يجب”، نمنحها سؤالًا واحدًا تسأل به نفسها: هل يمكن أن أخبر جدتي بهذا دون خجل؟

ختاما: 

قانون الجدة ليس مجرد فكرة رمزية، بل ميزان أخلاقي يعيدنا إلى البساطة التي نفتقدها. حين نعلّم بناتنا أن يسلكن في الحياة بهذا القانون، فإننا نهديهن بوصلة داخلية لا تصدأ، تحفظ لهن نقاء القلب وقوة الشخصية.

وفي عالم تتسارع فيه المؤثرات، ستبقى البنت التي تسير وفق هذا القانون قادرة أن تقول بكل ثقة: “ما أفعله اليوم أستطيع أن أحكيه لجدتي والى ابنائى غدًا… دون خجل.”

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى