في زمن تتسارع فيه الأحداث وتضيع فيه القيم بين ضجيج الحياة، جاءت حادثة السويس الأخيرة لتوقظ ضمير الوطن من سباته. مشهدٌ مؤلم لشاب يمدّ يده على رجلٍ مُسنّ في لحظة قسوة تجردت من الرحمة والحياء، لتتحول الصفعة إلى صفعة على جبين الإنسانية بأكملها، وتُعيد إلى الأذهان سؤالاً مؤرقاً: إلى أين وصل بنا التدهور الأخلاقي؟
صفعة أيقظت الضمير”
إنتشر المقطع المصوّر بسرعة البرق على مواقع التواصل، وأشعل في قلوب المصريين نار الغضب والإستنكار. لم يرى الناس في المقطع مجرد مشاجرة، بل رأوا فيه سقوطاً موجعاً لقيمة “إحترام الكبير” التي طالما كانت جزءاً من نسيج الشخصية المصرية.
لكن وسط هذا المشهد القاتم، برز وجه مصر المُضيء. فالمجتمع بكل فئاته، من محامين ومستشارين ومواطنين بسطاء، تعاطف مع الرجل المُسن، وأعلن كثيرون دعمهم له، بل إن بعض أهل الخير تكفّلوا بتوفير مسكن كريم له مدى الحياة، في مشهدٍ أعاد إلينا الأمل بأن الخير لا يزال يسكن القلوب.
دراما ضاعت فيها القيم”
لقد دفعتنا هذه الحادثة للتأمل في الأسباب. كيف وصل شاب في مقتبل العمر إلى هذه الدرجة من القسوة؟
الإجابة ليست في فردٍ بعينه، بل في منظومة ثقافية وإعلامية سمحت للبلطجة أن تُصبح بطولة، ولقلة الأدب أن تُسمّى “جدعنة”، وللإهانة أن تُبرر بالإنفعال.
لقد صدّرت لنا بعض الدراما الهدّامة صورة مشوّهة للرجولة والشهامة، ففقدت الأجيال الجديدة مرجعيتها الأخلاقية، وبدأنا نحصد ما زرعناه من صورٍ مسمومة على الشاشات.
تحية للداخلية والقضاء المصري”
وفي خضمّ هذا المشهد المؤلم، جاءت إستجابة وزارة الداخلية لتؤكد أن القانون لا ينام، فتم القبض على الجاني سريعاً، في موقف جسّد روح العدالة المصرية التي لا تفرق بين كبيرٍ وصغير.
كما ننتظر الكلمة العادلة من القضاء المصري الشامخ، الذي طالما كان حِصنَ المظلومين وملاذَ الباحثين عن الإنصاف.
إن العدالة المنتظرة في هذه القضية ليست فقط لتوقيع العقوبة، بل هي بلسمٌ إجتماعيّ يُعيد الثقة في منظومة القيم، ويُثلج صدور الملايين ممن تألّموا لرؤية هذه الجريمة الإنسانية.
ختاماً ” نداء إلى ضمير الوطن:
لقد آن الأوان أن نقف جميعاً أمام الحقيقة، فالمجتمعات لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل بالأخلاق التي تُزرع في القلوب منذ الصغر.
إن على الأسرة والمدرسة والإعلام والفنّ مسؤولية كبرى في إعادة بناء الضمير الجمعي.
وها هو النداء موجّه لصُنّاع الدراما والفنانين والإعلاميين: كفى تصديراً للقُبح، وكفى تسويغاً للإنحراف، فقد حان وقت البناء لا الهدم.
قوة مصر لم تكن يوماً في إقتصادها أو سلاحها فقط، بل في أخلاق أبنائها وحياء نسائها وكرامة شيوخها.
فلنجعل من هذه الصفعة بداية لصحوة مجتمعية، لا مجرد حادثة عابرة، تعيد إلى قلوبنا الرحمة، وإلى ضمائرنا اليقظة، وإلى وطننا وجهه الإنساني الجميل الذي لا يليق به إلا النُبل والشرف.