دين
الصحابي عبادة بن الصامت .. الرجل منهم بالف رجل ومنهم “صوته” فقط خير من ألف رجل
د.صالح العطوان الحيالي
هناك من الرجال من قد يساوي مائة رجل ، ومن الرجال من قد يساوي ألف رجل ، ومن الرجال من لا يساوي شيئا ( وهو الرجل الصفر) ..أصحاب العقول والمواهب في الصدارة في تصنيف الناس ولاسيما في الصلاة التي هي آكد الفرائض.
فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: ((استووا ولا تختلفوا، فتختلف قلوبكم، ليلنى منكم أولوا الاحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)).فهؤلاء مقدمون على غيرهم في الصلاة وغيرها، لأن الأمة لا تنهض إلاَّ بهم، فإذا أُهملوا فإن المجتمع لن يستقيم حاله ولن يواكب الأمم في رقيها وتطورها التي تعتمد في حركتها وبنائها على العقول وأهل العلم. اتِّباع العلماء وأهل الفضل في زمن الملمات والفتن من الضروريات في دفعها والسيطرة عليها:فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم لا يدركني زمان ولا تدركوا زماناً لا يتبع فيه العليم، ولا يستحي فيه من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب))
رجل يساوي ألف رجل، ورجل لا يساوي رجلاً:
فعن ابن عمر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعلقة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت)) ..قال الإمام النووي في شرحه للحديث: (قال ابن قتيبة الراحلة النجيبة: المختارة من الأبل للركوب وغيره، فهي كاملة الأوصاف، فإذا كانت في إبل عرفت، وقال الأزهري: الراحلة عند العرب الجمل النجيب، والناقة النجيبة، قال: والهاء للمبالغة كما يقال: رجل فهامة ونسابة، ومعنى الحديث: أن الزاهد في الدنيا الكامل في الزهد فيها والرغبة في الآخرة قليل جداً، كقلة الراحلة في الأبل، هذا كلام الأزهري وهو أجود من كلام ابن قتيبة وأجود منهما قول آخرين: إن معناه المرضي الأحوال من الناس الكامل الأوصاف الحسن المنظر)….فكم من شخص يساوي ألف شخص في علمه وتدبيره ودوره في البناء والإنتاج، وقد قيل: (رجل يساوي ألف رجل، ورجل لا يساوي رجلاً). وقال الجاحظ: (لأنا قد نجد الرجل يوزن بأمة، ونجد الأمة لا تساوي قلامة ظفر ذلك الرجل) .
لما طلب عمرو بن العاص المدد من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في فتح مصر كتب إليه: (أما بعد : فإني أمددتك بأربعة آلاف رجل، علي كل ألف : رجل منهم مقام الألف: الزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد)، ولولا أن هذه الواقعة ثابتة في كل كتب السيرة لكان من المستحيل تصديقها، فلا أحد يتصور أن أربعة رجال فقط يقدرون بأربعة آلاف رجل ليس في الإيمان والصدق والإخلاص فحسب، وإنما في المعارك.
والأغرب من ذلك أن بين هؤلاء الرجال من يفوق صوته الألف رجل، لكننا الآن لم يعد لدينا رجل بألف أو بمائة أوحتي باثنين بل للأسف أغلب من يحملون هذا اللقب من غير مستحقيه، وربما لو عاشوا زمن الصحابة لسمعنا عن الرجل بنصف والرجل بثلث! لأن المواقف وحدها هي التي تكشف معادن الرجال، وتحكم علي قدراتهم وتحدد مدى صلابتهم .
عبادة بن الصامت
ـــــــــــــــــــــــــ “بايعنا رسول الله على ألا نخاف في الله لومة لائم”..هكذا تحدث وهكذا عاش الصحابي الجليل “عبادة بن الصامت” واسمه غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي وكنيته أبو الوليد ،لا يخاف في الله لومة لائم.سارع بالدخول إلي الإسلام مع عشرة رجال من الأنصار في بيعة العقبة الأولي وشهد البيعة الثانية وكان نقيبا لأهله وشهد بدراً وأحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلي الله عليه وسلم. نزل القرآن يحيي موقفه وولاءه في الآية: “ومن يتولي الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون” وذلك عندما ألغي عهدا قديما له مع يهود بني قينقاع بسبب عدوانهم علي الرسول- صلي الله عليه وسلم- والمسلمين قائلا:”إنما أتولي الله ورسوله والمؤمنين” ليصبح هذا الرجل ليس نقيبا لأهله فقط وإنما نقيبا من نقباء الدين الإسلامي علي مر العصور.لم يحب السلطة أو تغره المناصب لأنه فهم أنها تكليف ومسئولية وليست تشريفا ورفاهية، وذلك حين سمع رسول الله صلي الله عليه وسلم يوما يتحدث عن مسئولية الأمراء والولاة والمصير الذي ينتظر من يفرط منهم في حق فأقسم بالله ألا يكون أميرا ولو علي شخصين وبر بقسمه حتي وفاته علي أرض فلسطين في العام الرابع والثلاثين من الهجرة حيث ولي أمر القضاء فيها لبعض الوقت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليكون أول قاض في فلسطين، وكان قد سافر إلي الشام مع معاذ بن جبل وأبي الدرداء لتعليم الناس أمور الدين وتفقيههم فيه وعندما عاد إلي المدينة تاركا فلسطين بسبب خلاف مع حاكمها معاوية سأله عمر بن الخطاب رضي الله عنه : مالذي جاء بك إلي هنا؟” فلما قص عليه قال له عمر:”ارجع إلي مكانك فقبح الله أرضا ليس فيها مثلك”، وأرسل إلي معاوية يقول: “لا امرة لك علي عبادة”. وذلك الموقف حرصا من عمر علي إحاطة معاوية ذي الطموح الجامح بصحابي ورع وزاهد وناصح مخلص وهو نفسه الذي قال في حق عبادة رضي الله عنه بأنه يوازي ألف رجل عندما أرسله مداداً لعمرو بن العاص لفتح مصر.قالها .. أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-
الذي أجرى الله الحق على لسانه ، فلا يقول إلا حقاً ، ولا ينطق إلا صدقاً .
و قيلت في صحابيٍ صنديد ، أسلم في بدء الدعوة ، و عمِل بإخلاص
وظل حاملاً سيفه ، يلازم النبي أينما ذهب ، فشهد المشاهد جميعها ، وأبلى البلاء الحسن ، حتى قُبِض رسولُ الله وهو عنه راضٍ ، و كذا رضى عنه خليفة رسول الله -الصِّديق رضي الله عنه- بعدما أظهر في عهده من القوة والشجاعة ما دفع به في أتون المعارك ، فكان نعم البطل الشجاع ، المؤمن بربه ، التوّاق إلى جنة الخلد وملاقاة الأحبة محمد صلى الله عليه وسلم وحزبه ثم يأتي أمير المؤمنين ( عمر بن الخطاب ) -رضي الله عنه- و يعرِفُ حقَّه ، و يبعث به ضِمن ثلاثة من الرجال ، على رأس جيش قِوامه أربعة آلاف ، لينطلقوا باسم الله إلى بلاد النيل ، ليحرروا مصر من أغلال الروم .بعجما استغاثه عمرو بن العاص رضي الله عنه ، كثافة جند الروم ، ومعهم المصريين فقال له : ( إني قد أمددتك بأربعة آلاف رجل على كل ألف رجلٍ مِنهم مقام ألف ) وكان بطلنا العملاق صاحب البشرة الداكنة ، والعينان الحادتان ، والصوت الجهوري ، هو أحد هؤلاء الأربعة رضي الله عنه ، وأرضاه
وكان عبادة بن الصامت أيضا من أوائل الذين جمعوا القرآن في عهد الرسول صلي الله عليه وسلم .
المصادر
النجوم الزاهرة في اخبار مصر والقاهرة
حياة الصحابة
الإصابة في تمييز الصحابة
الطبقات لابن سعد
البداية والنهاية لابن كثير
التاريخ الكامل لابن الاثير



