من ملاحم الجيش المصري- كتاب ملحمة الجزيرة الخضراء- الحلقة الثانية
للكاتب والمؤرخ العسكرى د. أحمد على عطية الله

الفصل الأول
النشأة
على ارض المدينة الباسلة
بور سعيد””
مم لاشك فيه أن نشأة الانسان فى الصغر يكون لها تأثير كبير على تشكيل ومسار حياته فى الكبر وهذا ما سنراه مع بطل هذا العمل العميد مجدى بشارة الذى ولد فى 30 إبريل من عام 1942 فى ليلة مظلمة بسب غارة جوية ألمانية على معسكرات الحلفاء بمدينة بور سعيد فى وقت كانت ترزح مصر فيه تحت الاحتلال البريطانى ..
ولد الطفل مجدى من أبوين مصريين ونشأ وترعرع فى 57 شارع عبادى بحى العرب بمدينة بور سعيد بمنزل صغير مكون من دورين مملوك لرجل متوفى .. وحظى بحب وعطف هذه الأسرة المسلمة المكونة من الحاجة أم نصر صاحبة المنزل وأبنائها الذين كانوا يعتنوا به وترضعه أحدى بناتهاأحيانا.. ويتذكر مجدى أن أول اسم نطق به كان هو إسم صاحبة المنزل التى أسماها “تيتة مصر” ..وعندما استطاع تذوق الطعام كانوا يطعمونه السمك المشوى والأرزوهو الطعام المفضل هناك..
والتصق بذاكرته تلك الصورة المتكررة حين يهرعون يوميا الى الملاجئ وسط ضحيج المدافع وانفجارات القنابل للإحتماء من الغارات الجوية الألمانية ضد معسكرات الانجليز، وكيف كانوا يقضون الليالى فى ظلام دامس.. وخلال ذلك كان لابد للحياة أن تستمر فألحقته أسرته بمدرسة الأمريكان ببور سعيد عام 1945 ثم بعدها بمدرسة بور سعيد الابتدائية الأميرية عام 1948 ليحصل منها على الشهادة الابتدائية الملكية عام 1952 فى آخر عام لتلكالشهادة قبل ثورة 23 يوليو 1952..
كان الطفل بشارة هو الإبن البكر بين أربعة أبناء ثلاثة ذكور يليه وصفى ، ثم كمال (والثلاثة كانو ضباطا فيما بعد بالقوات المسلحة المصرية) وإبنة هى نجوى بشارة لأب من محافظة المنيا بصعيد مصر جاء للعمل ببور سعيد عقب حصوله على شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) واستقر ببور سعيد وترقى فى عمله حتى وصل لمنصب مدير ادارة الجوازات والجنسية والهجرة هناك وكان يحظى يشعبية كبيرة ومحبة سواء من بين سكان بور سعيد أو من غير المصريين مثل بعض الفلسطينين الذين هاجروا من فلسطين عقب حرب 1948 واتخذوا من مدينة بور سعيد قاعدة لبعض عملياتهم الفدائية ضد الاسرائليين بفلسطين المحتلة ، وكان بشارة الأب يسمح أحيانا للفلسطينين ان يتخذوا من مسكنه مخزنا لأسلحتهم وذخائرهم ليخفوها بعيداً عن أعين الانجليز اذا كانوا يقومون دائماً بتفتيش منازلهم فزادت جرعة الوطنية والقومية لدى الطفل مجدى.
ويتذكر الطفل مجدىحادثةمرت به فى عام 1951 حينما كانت تحتضن مدينة بورسعيد أعدادا كبيرة من الفدائيين الذين يقومون بأعمال فدائية ضد معسكرات الاحتلال الانجليزى هناك لإجبارهم على الجلاء عن مصر وكان هناك مقهى شهير بشارع الثلاثينى يطلق عليها (قهوة المصرى) تغير إسمها فيما بعد إلى (قهوة الضظوى) نسبة للاعب الكرة البور سعيدى الشهير بالنادى المصرى.. كان مجدى الذى لايتعدى عمره آنذاك السنوات العشرمع صديقين مقربين له من بين زملاء الدراسة هما احمد العجرودى 11 عاما ، ونبيل منصور12 عاما حريصون كل الحرص على مداومة الذهاب الى هذا المقهى خلسة بدون علم اهلهم للإستماع الى قصص العمليات الفدائية التى يقوم بها الفدائيون من هجوم على معسكرات الانجليز او كمائن ضد عرباته العسكرية حتى تشبعوا بتلك القصص حتى جاء يوم السادس عشر من أكتوبر عام 1951 حينما خرجت مظاهرة حاشدة فى الحادية عشرة من صباح ذلك اليوم تنادى بجلاء الانجليز عن مصر غير أن الآنجليز واجهوا تلك المظاهرة بعنف شديد فأطلقوا الرصاص الحى على المتظاهرين فسقط منهم 5 شهداء و9 جرحى أمام أعين بشارة وصديقيه


