Uncategorized

فى كلام مصاطب “عالم انتخابي بلا معالم”

 
بقلم: د. محمد فكري

تمر العملية الإنتخابية فى مصر بأخطر مراحلها ، وعلينا أن ندرك أن غياب العدل يفقد المجتمع إنسانيته، ويجعله فريسة للمصالح الضيقة والأطماع المادية. فعندما تنهار قيمة الأخلاق، يتحوّل الفرد إلى رقم تافه في حسابات السياسة، وسلعة رخيصة في اقتصاديات السوق. لقد أصبحنا نهوى في فراغ أخلاقي ينذر بانهيار كبير.

لقد وصلنا إلى مرحلة تستوجب إعادة تشكيل العقل الحكومي الذي يتحرك اليوم في مساحة ضيقة بين قرارات صعبة وممارسات خاطئة غير محسوبة العواقب، في ظل ازدواجية تعكس رفض التعلم من الأخطاء السابقة والإصرار في الوقت نفسه على الاستمرار في طريق معقّد وخطر، مع الاعتماد على إلهاء المجتمع بمشكلات مفتعلة وإغراقه في الهموم الاقتصادية والاجتماعية، وكأن المجتمع لا يمتلك ذاكرة تتجاوز ذاكرة السمك.

إن العملية الانتخابية بصورتها الحالية لا تليق بدولة بحجم مصر ولا بشعب له تاريخ عريق كشعبها. فقد بات هذا الشكل من الانتخابات أقرب إلى العبث السياسي، تُهيمن عليه الأموال السياسية، والتدليس، والبلطجة، في ظل غياب حياة سياسية حقيقية وغياب أحزاب ذات ظهير شعبي يؤمن بمبادئها وأهدافها. فالعملية الانتخابية منذ بدايتها لا تتوفر فيها أبسط مبادئ تكافؤ الفرص، وتتحكم فيها أجهزة الدولة بصورة فجّة تضر بالعملية الانتخابية ودورها الوطني في خلق توازن وطمأنينة داخل المجتمع وإيجاد مجالس نيابية حقيقية.

لقد وصلت الانتخابات إلى مفترق طرق يتطلب إعادة هيكلة شاملة، وتقييمًا واعيًا، وتغييرًا حقيقيًا في متطلباتها وطرق إدارتها.

إن التغيير الحقيقي هو الضمانة الفعلية لاستقرار الجبهة الداخلية، ولإعادة إحياء حياة سياسية سليمة داخل المجتمع ومؤسساته، بحيث تكون جدارًا صحيًا داعمًا وحائط صد أمام كل المخططات التي تستهدف الدولة، خاصة في ظل أزمات عديدة ومتداخلة، منها الحقيقي والمفتعل وغير المسيطر عليه.

وقد تراكمت التحديات الدستورية والقانونية، وازدادت المشكلات الناتجة عن تهميش دور المجالس النيابية والسيطرة عليها، حتى أصبح التدخل السريع والعقلاني ضرورة ملحة.

أما بالنظر إلى القوائم الوطنية، فقد جاءت بأشخاص لا يعبرون عن إرادة الناخبين، وباختيارات يشوبها الكثير من اللغط من حيث المعايير والأموال المدفوعة، لتحوّل العملية إلى مشهد أقرب إلى الاستفتاء منه إلى الانتخاب. كما أن البذخ الانتخابي الذي صاحب هذه القوائم أثار استياء قطاعات واسعة من المجتمع، خاصة مع اختيار شخصيات بعيدة تمامًا عن واقع الشارع المصري.

ولم يَسلم النظام الفردي من التدخل، حيث تم تثبيت أرقام لمرشحين بعينهم ينتمون إلى أحزاب خاصة بدعم من أجهزة الدولة على مستوى الجمهورية، مما تسبب في غياب تكافؤ الفرص، ودفع السواد الأعظم من الناخبين إلى الإحجام عن التصويت نتيجة الإحباط وانعدام الثقة في جدوى العملية الانتخابية، في مشهد لا يقل سوءًا عن انتخابات عام 2010 التي كانت مقدمة واضحة لما حدث في 2011.

كما أن تقسيم الدوائر الانتخابية جاء بشكل يصعب معه الوصول إلى بعض المناطق، مما يسهّل التحكم في نتائجها ويزيد من الشكوك حول نزاهتها.

أما شكل الاقتراع الحالي، فهو مشكلة كبرى لا تتناسب مع ما وصل إليه العالم من تطور تكنولوجي. فلدينا القدرة الكاملة على تطبيق اقتراع إلكتروني يُقلل من التدخل البشري، ويزيد من الإقبال، ويعزز الشفافية، ويخفض تكلفة الانتخابات ويمنع إهدار المال العام، ويعيد للمواطن ثقته في أهمية صوته.

ومن خلال قراءة حقيقية للمشهد الانتخابي، نجد أن معدلات الإحجام عن التصويت وصلت إلى مستويات لا تعكس اختيارًا حقيقيًا لممثلي الشعب.
أن إصلاح العملية الأنتخابيه لم يعد أختياراً بل ضروره لأستقرار هذا الوطن،
واستمرار العملية الانتخابية بهذا الشكل ليس إلا سيرًا في نفق مظلم يحتاج إلى إرادة حقيقية للخروج منه، من أجل إنقاذ الوطن والحفاظ على سلامة الجبهة الداخلية، في عالم بات بالفعل عالمًا بلا معالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى