أسرة

عندما يربى الطلاق أبناءنا

عبير عاطف

 

هناك وجه نفسي لا يراه الوالدين بعد الانفصال . ما لم يراه الآباء أو يتغافلوا عن رؤيته بعد الطلاق فى ضوء نظرية التعلّق. وما لا يراه الآباء في نفوس الأبناء
ليس دور الأب أن يموّل حياة أبنائه ثم يختفي من عالمهم النفسي. فالأبوة ليست التزامًا قانونيًا يُؤدَّى، بل علاقة حية تقوم على الحضور، والاتساق، والقدرة على أن يكون الوالد قاعدة أمان، خصوصًا بعد الطلاق حين تهتز صورة الأسرة في وعي الطفل ويصبح أكثر احتياجًا للثبات.
تُفسّر نظرية التعلّق، التي وضع أسسها الطبيب والمحلل النفسي البريطاني جون بولبي، هذا الاحتياج العميق للأبناء. فالنظرية تنص على أن الطفل يولد مزوّدًا بنظام فطري يدفعه للارتباط بمقدمي الرعاية الأساسيين، وأن هذا الارتباط الآمن هو ما يمنحه الشعور بالقيمة والأمان، ويشكّل نماذجه الداخلية عن ذاته وعن الآخرين. وعندما تتعرض هذه العلاقة للاهتزاز أو الانقطاع، يختل التوازن النفسي للطفل، حتى وإن بدا متماسكًا من الخارج.
بعد الطلاق، لا يكون الخطر في الانفصال ذاته، بل في ما يطرأ على العلاقة بعدها. كثير من الآباء يظنون أن أبناءهم تأقلموا لأنهم لا يشكون، أو لأن أداءهم الدراسي لم يتراجع، أو لأنهم لا يبدون حزنًا واضحًا. ما لا يراه كثير من الآباء بعد الانفصال هو العالم الداخلي الذي يتشكل في نفوس أبنائهم بصمت. الطفل قد يبدو متماسكًا، يضحك، ينجح دراسيًا، ولا يثير المشكلات، لكن داخله قد يكون مشغولًا بمحاولات مؤلمة لفهم ما حدث. وبسبب محدودية إدراكه، قد يربط بين الطلاق وذاته، فيتصور أن سلوكه، أو احتياجاته، أو حتى وجوده كان عبئًا أسهم في الانفصال. هنا يبدأ بعض الأبناء في تحميل أنفسهم مسؤولية ما جرى، ويتحول هذا الشعور تدريجيًا إلى جلد للذات ومحاولات مستمرة لإرضاء الآخرين خوفًا من أن يكونوا سببًا في خسارتهم مرة أخرى. هذا الأثر النفسي لا يظهر سريعًا، لكنه يترسخ مع الوقت، ويؤثر في تقدير الطفل لذاته وفي طريقة ارتباطه بالآخرين لاحقًا، ما لم يُحتوَ بحضور نفسي واضح ورسائل صريحة تؤكد أن الطلاق لم يكن ذنبهم يومًا.
عندما يعيش الأبناء مع الأم ويغيب الأب نفسيًا، لا يفقد الطفل الأب كشخص فقط، بل يفقد أحد أعمدة الاستقرار الداخلي. قد يبدأ في التساؤل الصامت عن قيمته، ويتشكل لديه تعلّق قلق يجعله مفرط الحساسية لأي فقد أو تجاهل. وإذا عاش مع الأب وغابت الأم نفسيًا، قد يعاني الطفل من ارتباك عاطفي وصعوبة في تنظيم المشاعر، لأن أحد أهم مصادر الاحتواء الأولي لم يعد متاحًا.
تؤكد نظرية التعلّق أن وجود أحد الوالدين، مهما كان داعمًا، لا يعوّض الغياب النفسي للطرف الآخر. فالتعلّق الصحي يقوم على تعدد مصادر الأمان واستقرارها. وعندما يُجبر الطفل على التكيّف مع فقدان أحد هذه المصادر، فإنه لا ينمو نموًا متوازنًا، بل يطوّر استراتيجيات بقاء تحميه ظاهريًا وتستنزفه داخليًا.
هؤلاء الأبناء قد يكبرون وهم يبدون أقوياء، مستقلين، ناجحين، لكنهم يحملون في داخلهم خوفًا قديمًا من الفقد، وشكًا في استمرارية العلاقات، وترددًا في الثقة. فهم لم يتعلموا أن القرب آمن، بل تعلّموا أن الاستعداد للخسارة هو الوسيلة الوحيدة للنجاة.
في ضوء نظرية التعلّق، لا يحتاج الأبناء بعد الطلاق إلى والدين كاملين، بل إلى والدين متاحين نفسيًا، قادرين على الفصل بين أدوارهم الزوجية التي انتهت، وأدوارهم الأبوية التي لا تنتهي. فالحضور النفسي المستمر، والتواصل المنتظم، والقدرة على احتواء مشاعر الطفل دون تحميله صراعات الكبار، يمكنها أن تعيد بناء الإحساس بالأمان حتى بعد الانفصال.
حين ينسحب أحد الوالدين نفسيًا، لا يترك مجرد فراغ عاطفي، بل يترك نموذجًا داخليًا للعلاقات يتكرر لاحقًا في حياة الابن. فالطفل الذي تعلّم أن القرب مؤقت، وأن الحب قابل للانقطاع، قد يعيد إنتاج هذه القناعة في صداقاته وعلاقاته العاطفية دون وعي.
من هنا، يصبح الطلاق اختبارًا حقيقيًا للأبوة والأمومة، لا نهايتهما. والسؤال الجوهري الذي ينبغي أن يُطرح ليس من تحمّل النفقة، ولا من كسب الحضانة، بل من استطاع أن يبقى قاعدة أمان في حياة طفل لم يختر هذا الانفصال، لكنه سيحمل آثاره طويلًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى