أخبار عالميةمقالاتمنوعات

القوميّون في بنغلاديش والجماعة الإسلامية وأهل الحديث… خلفيّات الخلاف

محمد شعيب

هناك من يعلّق على علماء القوميّة (المدارس القومية في بنغلاديش) بعبارات قاسية جدًا. ويظنّ بعضهم أنّ مقاعد تحالف الجماعة الإسلامية قد انخفضت بسبب القوميّين. ومن ناحية الواقع السياسي قد يكون في هذا شيء من الصحّة. لكنني أعتقد أن القوميّين فعلوا ما فعلوه عن وعيٍ وإدراك. بل إنّ بعض المنتمين إلى الجماعة الإسلامية يتحرّكون أحيانًا دون فهمٍ عميقٍ لحقيقة المشكلة، وينشرون منشورات فيسبوكية يوجهون اتهامات إلى علماء القومييين بأنهم موالون للأحزاب العلمانية دون الإسلامية. ولو أدركوا الحقيقة لكان الأمر أيسر على الطرفين.

إخوتي، مسألة الخلاف ليست سياسيةً بحتة، بل هي في جانبٍ كبيرٍ منها مسألة عقيدة ومذهب. وقد أوضح ذلك فضيلة المفتي سخاوت حسين رازي حفظه الله بشكلٍ جيّد.

وأقول: إنّ القضية لا تقتصر على مسألة انتقاد الصحابة عند الجماعة الإسلامية أو القول بعدم عصمة الأنبياء فحسب. علماء القوميين يعلمون جميعًا أنّ علماء الجماعة الإسلامية لا يتلقّون العقيدة من أبو الأعلى المودودي، فالمودودي ليس إمامًا في العقيدة، ولا يملك كتابًا مستقلًا فيها. بل إنّ علماء الجماعة الإسلامية يتلقّون العقيدة غالبًا عن مشايخ عرب. وليس خافيًا أنّ نحو تسعين في المئة من شباب الجماعة الإسلامية وأنصارها لا يدرسون مسائل العقيدة بعمق، فالأمر عند كثيرين أشبه بقضية “الرازكارية”؛ أي يُحمَّل الابن تبعة الأب دون تمحيص.

ثمّ إنّ هناك جانبًا آخر للخلاف بين القوميّة والجماعة الإسلامية. فعلماء القوميّة في بنغلاديش يتبعون منهج دار العلوم ديوبند؛ فهم في العقيدة أشاعرة، وفي الفقه مقلّدون للمذهب الحنفي. أمّا أبرز علماء الجماعة الإسلامية فغالبيتهم يميلون إلى العقيدة الأثريّة، ولا يلتزمون تقليد مذهب فقهي واحد، بل يشبه موقفهم موقف خريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة. ومن يستمع إلى دروس وخطب أمثال دلوار حسين سعيدي، وكمال الدين جعفري، وقاضي محمد إبراهيم، وأبو الكلام آزاد، وأبو الكلام آزاد بشار، وميزانور رحمن أزهري، يدرك هذا الفرق بوضوح. وقد عرفتُ بعضهم عن قرب.

ومع ذلك، فإنّ تسعين في المئة من أعضاء الجماعة وشبيبتها هم في الفقه حنفيّة، وفي العقيدة أشاعرة، لكن ليسوا على الطريقة الديوبنديّة الصِّرفة. كما أنّ دعوة بعض الدعاة السلفيين، ومنهم ذاكر نايك، أثّرت في شريحة كبيرة منهم، فمالوا إلى السلفيّة. ولو لم يُبدِ بعض علماء أهل الحديث شدّةً في خطابهم تجاه الجماعة الإسلامية، لكان هذا الميل أكبر بكثير. ويُلاحظ أنّ دعوة السلفيّة تلقّت قبولًا واسعًا بين منسوبي الجماعة، وإن كان بعض علماء أهل الحديث يتخوّفون من القوّة التنظيميّة للجماعة، خشية أن يتحوّل أبناؤهم إلى “إخوانيّين”. وجذور هذا الصراع ليست عقديّة بحتة، بل فيها أبعاد سياسيّة تتعلّق بأنظمة الحكم.

ومن الملاحظ أنّ كثيرًا من علماء القوميّة يصفون أهل الحديث بالضلال والفتنة. فلماذا؟ هل لأنّهم لا يؤمنون بعدالة الصحابة أو بعصمة الأنبياء؟ فإذا كانوا يُعدّونهم فرقةً منحرفة، فكيف يمكن أن يدعموا الجماعة التي يراها بعضهم قريبةً منهم في بعض الجوانب؟

والفرق بين علماء أهل الحديث وعلماء الجماعة البارزين أنّ أهل الحديث يطرحون هذه المسائل بصرامةٍ وشدّة، بينما يطرحها علماء الجماعة بلطفٍ أو لا يثيرونها أصلًا في دعوتهم، حتى لو كانوا يعتقدون بها. وهذا لا ينطبق على الجميع، بل على بعض المشهورين منهم.

ولو كان معظم علماء الجماعة ديوبنديّين، أو بدأ أتباع الجماعة بإرسال أبنائهم إلى ديوبند بدل المدينة، لقلّت الفجوة كثيرًا.

وقد يُقال: لماذا يوجد بين القوميّين أنفسهم عدّة جماعات مع أنّ عقيدتهم واحدة؟ نعم، هم متعدّدون تنظيميًا، لكن لا عداوة حقيقيّة بينهم، ولا يصف بعضهم بعضًا بالانحراف. إنّما هو اختلاف سياسي يتعلّق بالقيادة والدوائر التنظيميّة، وكلّ فريقٍ له نطاقه الخاص.

ومن الاتهامات أنّ بعض أفراد الجماعة يزدَرون القوميّين، وهذا موجود أحيانًا، لكنه ليس ظاهرةً عامّة، بل الجماعة في الغالب تنتظر دعمهم. كما أنّ أمورًا كثيرة تقع على المستوى الشعبي لا تظهر للعلن. وكما أنّ بعض عوام القوميّين قد يقعون في بدع، فلا يُقال إنّ القوميّين جميعًا مبتدعة.

فلماذا لا تعلن قيادة الجماعة عداوةً صريحة للقوميّين؟ قد يكون لسببين:
الأول: عدم الرغبة في معاداة التيار الأكبر حفاظًا على الأصوات الانتخابيّة، حتى لو اعتبرهم بعضهم على خطأ.
الثاني: أنّ كثيرًا من قيادات الجماعة قد لا يخوضون أصلًا في نقاشات العقيدة والمنهج بعمق، أو لا يدركون أبعادها.

وخلاصة القول: إنّ هذا الخلاف ليس أمرًا بسيطًا؛ بل يتداخل فيه العقيدة والمذهب والمسلك والرموز العلميّة وغيرها من القضايا. سواء أدركتَ ذلك أم لم تُدرك، وسواء اعترفتَ به أم لا، فالحقيقة تبقى حقيقة. وصدق النيّة مع الله هو الأهم؛ فما كان حقًّا فهو حقٌّ اعترفتَ به أم أنكرتَه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى