مقالات

جيهان زكي تضع الإنسان والهوية في قلب المرحلة المقبلة

نصر سلامة

في توقيت يحمل العديد من التحديات الإقليمية والدولية، عقدت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، اجتماعًا موسعًا مع قيادات الوزارة ورؤساء القطاعات، لوضع ملامح المرحلة المقبلة للعمل الثقافي في مصر.

ولم يكن الاجتماع مجرد لقاء إداري دوري، بل بدا أقرب إلى إعلان توجه جديد يعيد تعريف دور الثقافة في المجتمع والدولة معًا، ويطرح رؤية تحاول استعادة الدور التاريخي للثقافة المصرية كقوة ناعمة مؤثرة في الداخل والخارج.
تقوم هذه الرؤية على فكرة محورية واضحة: الإنسان المصري هو نقطة البداية والغاية في آن واحد. فالثقافة، وفق ما طرحته الوزيرة، ليست نشاطًا للنخبة أو مساحة للفعاليات الموسمية، بل أداة لبناء الوعي وصياغة الوجدان الوطني، وحماية المجتمع من محاولات التشويه أو التفكيك الفكري. ومن هنا جاء التأكيد على أن الثقافة تمثل أحد أعمدة الأمن القومي الشامل، في إشارة تعكس إدراكًا متزايدًا لدور الوعي والثقافة في استقرار الدول، خاصة في ظل التحولات السريعة التي يشهدها العالم.


أحد أبرز ملامح الرؤية الجديدة يتمثل في العودة إلى مفهوم «الثقافة الجماهيرية»، وهو المفهوم الذي ارتبط تاريخيًا بتجربة الوزير الراحل ثروت عكاشة، الذي أسس لمشروع قصور الثقافة بهدف إيصال الفن والمعرفة إلى كل مواطن في مختلف المحافظات. واستدعاء هذه التجربة في خطاب الوزيرة يحمل دلالة مهمة، إذ يشير إلى توجه لإحياء هذا المشروع بروح جديدة تتناسب مع متغيرات العصر.
ويبدو أن قصور الثقافة ستكون في صدارة أولويات الوزارة خلال الفترة المقبلة، ليس فقط باعتبارها منشآت ثقافية منتشرة في المحافظات، بل باعتبارها أدوات حقيقية لنشر المعرفة وتعزيز الوعي في القرى والأقاليم. فنجاح السياسة الثقافية في مصر، تاريخيًا، كان مرتبطًا بمدى قدرتها على الوصول إلى الجمهور خارج العاصمة، وهو ما يشكل التحدي الأكبر أمام أي رؤية ثقافية جديدة.
وفي هذا السياق، يتقاطع هذا التوجه مع مشروع الدولة الأوسع لتحقيق العدالة الثقافية، أي ضمان وصول الخدمات الثقافية إلى جميع فئات المجتمع دون تمييز جغرافي أو اجتماعي. وهو مفهوم يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الثقافة ليست ترفًا، بل عنصرًا أساسيًا في التنمية البشرية.
ومن الملامح اللافتة أيضًا في الرؤية المطروحة التركيز على التراث الوطني، ليس فقط بوصفه ماضيًا تاريخيًا، بل باعتباره عنصرًا حيًا في تشكيل الهوية المصرية. فالاهتمام بمشروعات تعزيز الوعي بقيمة التراث يشير إلى توجه نحو ربط الثقافة بالحضارة المصرية الممتدة عبر آلاف السنين، وهو ما يمنح الخطاب الثقافي بعدًا حضاريًا مهمًا، خاصة في بلد يمتلك أحد أقدم التراثات الإنسانية.
إلى جانب ذلك، يظهر التحول الرقمي كأحد المحاور الرئيسية في خطة الوزارة، من خلال التوسع في رقمنة إصداراتها وتطوير آليات النشر الثقافي. وهذه الخطوة قد تمثل نقطة تحول مهمة إذا تم تنفيذها بشكل فعّال، لأنها تتيح وصول الكتاب المصري إلى جمهور أوسع، وتمنح الأجيال الجديدة وسيلة أكثر سهولة للتفاعل مع المحتوى الثقافي.
كما أن تطوير خطط الترجمة يعكس رغبة في إعادة تقديم الأدب والفكر المصري إلى العالم، وهو دور لعبته مصر بقوة في فترات سابقة عندما كانت الثقافة المصرية في طليعة التأثير الثقافي العربي والدولي. فالتبادل الثقافي والترجمة كانا دائمًا أحد أهم أدوات القوة الناعمة المصرية.
وفي إطار إعادة تفعيل العمل المؤسسي، شددت الوزيرة على أهمية الاستفادة من بيوت الخبرة داخل الوزارة، مثل أكاديمية الفنون والهيئة المصرية العامة للكتاب ودار الكتب والوثائق القومية والمركز القومي للسينما، وهي مؤسسات لعبت دورًا تاريخيًا في صناعة الثقافة المصرية. ويبدو أن الرؤية الجديدة تسعى إلى إعادة تشغيل هذه المؤسسات بكامل طاقتها، باعتبارها قاعدة أساسية لأي نهضة ثقافية حقيقية.
ومن الزوايا المهمة كذلك ربط الثقافة بالمشروعات القومية الكبرى، وفي مقدمتها مبادرة حياة كريمة، التي تستهدف تطوير الريف المصري. فدمج الثقافة في مشروعات التنمية يعكس توجهًا نحو بناء مجتمع متكامل لا يقتصر التطوير فيه على البنية التحتية فقط، بل يمتد إلى بناء الإنسان نفسه.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه الرؤية سيظل مرهونًا بعدة عوامل حاسمة، أبرزها قدرة الوزارة على تحويل الأفكار إلى برامج عملية ملموسة، وتطوير الإدارة الثقافية داخل المؤسسات التابعة لها، إلى جانب جذب جمهور جديد، خصوصًا من الشباب، إلى الفعل الثقافي. كما أن إعادة الحيوية إلى قصور الثقافة، وتحديث محتواها وأنشطتها، قد تكون الاختبار الحقيقي لهذه الرؤية.
في المحصلة، تبدو ملامح الرؤية الجديدة لوزارة الثقافة محاولة لإعادة الاعتبار لدور الثقافة في بناء الدولة والمجتمع، واستعادة موقعها كإحدى أدوات التأثير الحضاري لمصر. وإذا نجحت هذه الرؤية في الانتقال من مرحلة التصورات إلى التنفيذ الفعلي، فقد تشهد الساحة الثقافية المصرية مرحلة مختلفة تعيد الثقافة إلى موقعها الطبيعي في قلب الحياة العامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى