مقالاتمنوعات

أين يكمن الخلاف بين إيران والدول العربية؟

محمد شعيب

منذ عام 1979، لم تنظر إيران إلى منطقة الخليج كجوار مستقر ذي سيادة، بل اعتبرتها مجالًا مفتوحًا لتوسيع نفوذها. ولم تعتمد على السيطرة المباشرة، بل حاولت التمدد بشكل غير مباشر داخل هذه الدول. وهنا يكمن أساس الخلاف بين إيران والدول العربية.

تعتمد إيران على أسلوب مختلف، فهي لا تحتل الدول عسكريًا، بل تحاول التأثير عليها من الداخل عبر خلق حالة من الفوضى. وقد حدث ذلك في دول مثل لبنان وسوريا واليمن، حيث يتم نقل الصراع إلى داخل الدولة، وإنشاء شبكات نفوذ تؤثر على قرارات المؤسسات الرسمية، وتُغيّر موازين القوة من الداخل.

وبطريقة مشابهة، يرى البعض أن الهند حاولت منذ عام 1971 التأثير داخل بنغلاديش عبر وسائل مختلفة، مثل استخدام الأجهزة الاستخباراتية أو دعم أطراف سياسية، بهدف تعزيز نفوذها.

كما أن الحرس الثوري الإيراني و«فيلق القدس» لا يعملان فقط كقوات عسكرية، بل كشبكات نفوذ تتجاوز الحدود، وتؤثر داخل الدول، مما يؤدي إلى إضعافها من الداخل، ويُعدّ نوعًا من التدخل غير المباشر في سيادتها.

وقد تبدو حوادث مثل التفجيرات أو الاغتيالات أو الخلايا السرية وكأنها أحداث منفصلة، لكنها في الحقيقة جزء من أسلوب منظم يعتمد على التغلغل داخل الدول دون مواجهة مباشرة. فالهدف ليس العنف بحد ذاته، بل استخدام الفوضى كوسيلة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

ولا تهدف هذه السياسة إلى السيطرة على الأرض، بل إلى نقل مركز القرار من مؤسسات الدولة إلى شبكات داخلية، مما يضعف قدرة الدولة على اتخاذ القرار ويؤثر على أدائها من الداخل. وبهذه الطريقة تحاول إيران توسيع نفوذها في الدول المجاورة.

في هذا السياق، لا يمكن اعتبار الهجوم على الإمارات العربية المتحدة حادثة منفصلة، بل هو جزء من هذا النهج. فهو ليس تصعيدًا مفاجئًا، بل نتيجة لسياسة تستخدم القوة خارج الحدود دون تحمل نتائجها، مما يشكل تحديًا للاستقرار الإقليمي وسيادة الدول.

ومع ذلك، أظهرت هذه الأحداث واقعًا جديدًا، حيث تمكنت الإمارات من اعتراض عدد كبير من الهجمات، مما قلل من تأثيرها، وفشلت في تحقيق أهدافها قبل أن تكتمل.

وهذا يوضح أن الخلاف مع إيران ليس مؤقتًا، بل هو اختلاف أساسي في مفهوم الدولة ودورها. فالإمارات تعتمد على الاستقرار والتنمية والاستثمار في الإنسان، بينما يعتمد النهج الإيراني على إدارة الفوضى والتأثير من الداخل.

لذلك، لا يُعتبر هذا مجرد خلاف سياسي عادي، بل هو تنافس بين نموذجين: نموذج يحقق الاستقرار، وآخر يعيش في بيئة الاضطراب. ولهذا أصبح الصراع أعمق، لأنه يمس وجود كل نموذج.

ومن هنا، لم تعد المواجهة مجرد ردع، بل أصبحت إثباتًا. فقد واصلت الإمارات العمل والتنمية رغم التحديات، وأظهرت أن قوة الدولة تقاس بقدرتها على منع تأثير الهجمات قبل وقوعها.

وفي هذا الإطار، أصبحت الإمارات مثالًا لدولة قادرة على الحفاظ على استقرارها حتى تحت الضغط، وهذا ما يفسر سبب استهدافها، لأن نجاح هذا النموذج يضعف مبررات النماذج الأخرى.

وفي النهاية، لم يكن ما حدث مجرد استهداف لمنشآت، بل محاولة لضرب فكرة الدولة المستقرة. لكن النتيجة جاءت عكس ذلك، حيث أثبتت الإمارات قدرتها على الاستمرار، وتحولت التهديدات إلى دليل على قوتها، مما يؤكد أن الاستقرار ليس حالة مؤقتة، بل نتيجة عمل منظم ومؤسسات قوية.

 
 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى