أخبارأخبار عالمية

ليلة القدر… ليلة تغيّر الأقدار

 

أحمد حسني القاضي الأنصاري

ليلة القدر ليست مجرد ليلة في رمضان، بل هي أعظم ليلة في العام كله، ليلة اختارها الله تعالى لتكون موعدًا لنزول القرآن الكريم، ورحمة تتنزل فيها الملائكة، ومغفرة تُفتح فيها أبواب السماء لعباده الصالحين.

قال الله تعالى في كتابه الكريم:

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ۝ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ۝ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ ۝ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾

(سورة القدر)

هذه الليلة المباركة جعلها الله خيرًا من ألف شهر، أي أن العبادة فيها تعادل عبادة أكثر من ثلاثة وثمانين عامًا من الطاعة والعمل الصالح. إنها فرصة ربانية عظيمة يمنحها الله لعباده ليمحو ذنوبهم ويجدد قلوبهم ويكتب لهم الخير في الدنيا والآخرة.

وقد قال رسول الله ﷺ:

“من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه”

(رواه البخاري ومسلم)

تأمل هذا الفضل العظيم؛ مجرد قيام ليلة واحدة بإخلاص لله تعالى قد يكون سببًا في مغفرة الذنوب كلها، وفتح صفحة جديدة مع الله.

وليلة القدر هي ليلة السلام والرحمة والسكينة، تنزل فيها الملائكة بالبركات، ويعم الهدوء والطمأنينة قلوب المؤمنين. يشعر العبد فيها بالقرب من ربه، وتفيض الدموع من عينيه وهو يدعو ويستغفر ويطلب العفو.

وكان النبي ﷺ يجتهد في العشر الأواخر من رمضان اجتهادًا عظيمًا، فقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنها:

“كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله”

(رواه البخاري)

وهذا يدل على أهمية هذه الليالي المباركة، وخاصة الليالي الوترية: 21، 23، 25، 27، 29.

وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تسأل النبي ﷺ:

يا رسول الله، إن وافقت ليلة القدر ماذا أقول؟

فقال:

“قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني”

(رواه الترمذي)

يا لها من ليلة عظيمة!

ليلة تُكتب فيها الأقدار، وتُرفع فيها الأعمال، وتُغفر فيها الذنوب، وتُستجاب فيها الدعوات.

قال الله تعالى:

﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾

(سورة الدخان)

أي أن الله يقدر فيها أمور السنة كلها من رزق وأجل وأحداث، ولذلك كان السلف الصالح يدعون الله فيها كثيرًا، ويطلبون الخير والبركة في حياتهم.

إن ليلة القدر تعلم الإنسان معنى التواضع والخشوع، فالغني والفقير يقفون أمام الله سواء، لا يملك أحدهم إلا قلبه ودعاءه ودموعه.

وهي أيضًا ليلة تجديد العهد مع الله، ليلة يعود فيها العبد إلى ربه تائبًا، تاركًا الذنوب، طالبًا الرحمة والمغفرة.

فلنجعل هذه الليلة محطة لتطهير القلوب من الحقد والحسد، ولإصلاح النفوس، وللعودة إلى الأخلاق الكريمة التي دعا إليها الإسلام من صدق وأمانة ورحمة بالناس.

قال رسول الله ﷺ:

“أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء”

(رواه مسلم)

فأكثروا في هذه الليلة من:

الصلاة والقيام

قراءة القرآن

الدعاء والاستغفار

الصدقة

ذكر الله

فرب دعوة صادقة في جوف الليل تغير حياة إنسان، ورب دمعة توبة تمحو سنوات من الذنوب.

إن ليلة القدر رسالة من الله لعباده بأن رحمته أكبر من خطاياهم، وأن باب التوبة مفتوح، وأن الله يحب أن يعود إليه عباده مهما ابتعدوا.

فلا تضيعوا هذه الليلة العظيمة في الغفلة أو النوم أو اللهو، بل اجعلوها ليلة ذكر وخشوع وتوبة.

لعلها تكون الليلة التي يبدل الله فيها أحزانكم فرحًا، ويغفر فيها ذنوبكم، ويكتب لكم فيها خير الدنيا والآخرة.

نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا فيها من المقبولين والمغفور لهم، وأن يرزقنا فيها صدق الدعاء وخشوع القلب.

اللهم بلغنا ليلة القدر، واكتب لنا فيها الخير كله، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى