تقارير

البهنسا.. أرض الشهداء والبقيع الثاني في صعيد مصر

 المنيا : هدى إسماعيل 

تُعد منطقة البهنسا التابعة لمركز بني مزار شمال محافظة المنيا من أبرز المناطق التي تحمل تاريخًا عريقًا ومكانة روحية كبيرة في قلوب المصريين. فهذه المنطقة ليست مجرد موقع أثري، بل سجل تاريخي مفتوح يروي صفحات من حضارات متعددة امتدت من العهد الفرعوني مرورًا بالعصرين الروماني والقبطي وصولًا إلى العصر الإسلامي.
واشتهرت البهنسا بلقب “أرض الشهداء” و**“البقيع الثاني”**، وهو اللقب الذي أطلقه المؤرخون بسبب كثرة الصحابة والتابعين الذين استشهدوا ودُفنوا فيها خلال الفتح الإسلامي لمصر. وتشير العديد من الروايات التاريخية إلى أن هذه الأرض تحتضن ما يقرب من خمسة آلاف من الصحابة والتابعين، من بينهم نحو سبعين صحابيًا ممن شاركوا في غزوة بدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد شهدت المنطقة معارك قوية بين جيوش المسلمين والروم أثناء تقدم المسلمين لفتح صعيد مصر بقيادة القائد عمرو بن العاص، حيث كانت البهنسا مدينة حصينة تحيط بها الأسوار والأبراج، لكن تلك الحصون لم تمنع انتصار المسلمين بعد معارك ضارية سقط فيها عدد كبير من الشهداء الذين خلدت ذكراهم في هذه الأرض.
وتضم البهنسا عددًا من المزارات والأضرحة التي يقصدها الزوار من مختلف المحافظات، ومن أشهرها ضريح السبع بنات، وهن مجموعة من الفتيات اللاتي شاركن في جيش المسلمين أثناء فتح المنطقة، واستشهدن في المعارك ودفنّ في هذا المكان الذي أصبح مزارًا معروفًا لدى الأهالي.
كما يوجد في المنطقة بئر قديم ارتبط في الروايات الشعبية برحلة رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، حيث يُعتقد أن السيدة مريم العذراء والسيد عيسى عليه السلام ومعهما يوسف النجار مرّوا بهذا المكان خلال رحلتهم، وشربوا من مياهه، الأمر الذي منح المنطقة مكانة روحية إضافية لدى الكثير من الزائرين.
وتحتضن البهنسا أيضًا عددًا من الأضرحة المنسوبة لصحابة وشخصيات إسلامية بارزة، من بينهم القعقاع بن عمرو التميمي وخولة بنت الأزور وغيرهما من الشخصيات التي ارتبطت بالبطولات في التاريخ الإسلامي.
ومن المواقف التي تعكس مكانة هذه المنطقة الروحية ما يُروى عن زيارة شيخ الأزهر الأسبق عبد الحليم محمود لها، حيث خلع نعليه احترامًا للمكان، وقال إن هذه الأرض شهدت دماء عدد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما أشار المؤرخ المصري علي مبارك في كتابه الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة إلى أهمية البهنسا عبر العصور، موضحًا أنها لم تكن مجرد مدينة تاريخية فحسب، بل كانت مركزًا مهمًا لصناعة النسيج، بل وارتبط اسمها في بعض العصور بصناعة كسوة الكعبة خلال العصر الفاطمي.
وهكذا تبقى البهنسا واحدة من أبرز الشواهد التاريخية في صعيد مصر، حيث تختلط فيها صفحات التاريخ بروحانية المكان، لتظل شاهدًا حيًا على تضحيات الشهداء وعلى حضارة امتدت عبر آلاف السنين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى