
بقلم /الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
تُعَدُّ الدولة الحفصية من أبرز الدول الإسلامية التي قامت في بلاد المغرب الإسلامي بعد ضعف دولة الموحدين، وقد لعبت دورًا كبيرًا في حماية الهوية الإسلامية، ونشر العلم، وتثبيت الأمن، وبناء حضارة متميزة في شمال إفريقيا استمرت قرونًا طويلة، حتى أصبحت تونس في عهدها منارات العلم ،والتجارة، والسياسة في العالم الإسلامي.
أولًا: نشأة الدولة الحفصية:
نشأت الدولة الحفصية في إفريقية، وهي المنطقة التي تشمل:
تونس
شرق الجزائر
غرب ليبيا
وكان ظهورها بعد ضعف دولة الموحدين في القرن السابع الهجري.
مؤسس الدولة
هو: أبو زكريا يحيى بن عبد الواحد الحفصي الذي أعلن استقلاله سنة:
625هـ / 1229م
واتخذ من تونس عاصمة للدولة، فبدأ عهد جديد من الاستقرار السياسي، والحضاري في المغرب الإسلامي.
وسميت بالحفصية نسبة إلى: أبي حفص عمر الهنتاتي أحد كبار رجال الدولة الموحدية.
ثانيًا: موقعها الجغرافي، وأهميتها:
تميزت الدولة الحفصية بموقع استراتيجي مهم جدًا، حيث توسطت بين:
المشرق الإسلامي
المغرب الإسلامي
أوروبا الجنوبية
إفريقيا جنوب الصحراء
فكانت تونس مركزًا:
تجاريًا
علميًا
سياسيًا
بحريًا
وقد ساعدها ذلك على أن تصبح من أهم القوى الإسلامية في البحر المتوسط.
ثالثًا: شخصية المؤسس أبو زكريا الحفصي:
كان أبو زكريا من أعظم حكام المغرب الإسلامي، واتصف بـ:
الحكمة السياسية
قوة الإدارة
حسن التدبير
العدل بين الناس
الاهتمام بالعلماء
ومن أهم أعماله:
توحيد البلاد
تثبيت الأمن
إنشاء مؤسسات الحكم
بناء الجيش
تطوير التجارة
وقد وصفه المؤرخون بأنه: من أعقل ملوك المغرب، وأبعدهم نظرًا.
رابعًا: مقومات قوة الدولة الحفصية:
1)المقومات السياسية:
اعتمدت الدولة على:
حكم مركزي قوي
تنظيم إداري دقيق
توزيع الولايات
استقلال القرار السياسي
2)المقومات الاقتصادية:
ازدهر اقتصادها بفضل:
التجارة البحرية
الزراعة
الصناعات اليدوية
تجارة الذهب والعاج من إفريقيا
وأصبحت تونس ميناءً مهمًا للتبادل التجاري العالمي.
3) المقومات العسكرية:
امتلكت:
جيشًا منظمًا
حصونًا قوية
أسطولًا بحريًا
دفاعات ساحلية
وقد ساعدها ذلك على حماية سواحلها من الهجمات الأوروبية.
4) المقومات العلمية:
اهتمت بـ:
العلماء
الفقهاء
المدارس
المكتبات
القضاء الشرعي
خامسًا: دورها في خدمة الإسلام:
كان للحفصيين دور كبير في خدمة الإسلام من خلال:
نشر العلم
دعمت:
الفقه المالكي
علوم القرآن
الحديث
اللغة العربية
حماية الهوية الإسلامية
وقفت ضد:
التنصير
الغزو الصليبي
الذوبان الثقافي
رعاية العلماء
استقبلت علماء من:
الأندلس
المغرب
المشرق
فصارت تونس مركزًا علميًا مشهورًا.
سادسًا: أشهر إنجازاتها الحضارية:
من أعظم ما أنجزته الدولة الحفصية:
1) تطوير جامع الزيتونة:
جامع الزيتونة
حيث أصبح جامعة إسلامية كبرى يقصدها طلاب العلم.
2) بناء المدارس:
أنشأت:
المدارس الشرعية
المكتبات
دور القضاء
3) تنشيط التجارة:
ربطت بين:
أوروبا
إفريقيا
المشرق
4) العمران:
ازدهرت:
المدن
الأسواق
القصور
الأسوار
سابعًا: آثارها، وثمارها:
أثمرت الدولة الحفصية نتائج عظيمة:
أ)دينيًا:
حفظ الإسلام في المنطقة
تثبيت المذهب المالكي
نشر اللغة العربية
ب)حضاريًا:
نهضة علمية
تقدم عمراني
ازدهار ثقافي
ج)سياسيًا:
استقرار المغرب الشرقي
مقاومة الأطماع الأجنبية
ثامنًا: أسباب سقوط الدولة:
بدأ الضعف يدب في الدولة بسبب:
1)الصراعات الداخلية:
النزاع على الحكم أضعف الدولة.
2) ضعف الحكام
جاء بعد المؤسس حكام أقل كفاءة.
3)التدخل الأوروبي:
خاصة:
الإسبان
القوى البحرية الأوروبية
4) تدهور الاقتصاد:
نتيجة الحروب المستمرة.
تاسعًا: نهاية الدولة:
سقطت الدولة الحفصية نهائيًا سنة:
981هـ / 1574م
عندما دخل العثمانيون تونس، وانتهى حكم الحفصيين بعد أكثر من ثلاثة قرون من العطاء.
عاشرًا: الدروس المستفادة
تعلمنا الدولة الحفصية أن:
العلم أساس الحضارة
العدل أساس الملك
الوحدة سر القوة
الظلم بداية السقوط
الهوية تحفظ الأمم
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾،[سورة الرعد: 11]
الخاتمة:
كانت الدولة الحفصية صفحة مشرقة من صفحات التاريخ الإسلامي في المغرب، جمعت بين قوة السياسة، وازدهار الاقتصاد، ونشر العلم، وحماية الإسلام، فاستحقت أن تكون من الدول التي صنعت مجد الأمة في صمت، وكتبت تاريخها في الظل، لكن آثارها بقيت شاهدة على عظمتها عبر القرون.
المراجع العربية:
١)حسين مؤنس، معالم تاريخ المغرب والأندلس، دار الرشاد، القاهرة، 1984م.
٢)عبد العزيز سالم، تاريخ المغرب الكبير، ٣)دار النهضة العربية، بيروت، 1981م.
علي محمد الصلابي، دولة الموحدين والدولة الحفصية، دار المعرفة، بيروت، 2005م.
٤)محمود شاكر، التاريخ الإسلامي: المغرب الإسلامي، المكتب الإسلامي، بيروت، 1991م.
٥)محمد عبد الله عنان، عصر المرابطين والموحدين، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1997م.



