كيف غيرت ثورة يوليو وجه مصر إلى الأبد؟

وفاء سالم
في فجر 23 يوليو 1952 تحرك الجيش المصري. لم يكن تحركاً من أجل السلطة، بقدر ما كان محاولة أخيرة لإنقاذ دولة أنهكتها سنوات طويلة من التبعية والفساد والظلم الاجتماعي. في ذلك الصباح أُذيع البيان الأول، وأعلن أن مصر قررت أن تسترد إرادتها.
كانت البلاد قبلها تعيش على وقع تناقضات حادة. احتلال بريطاني مستمر منذ عقود، وقصر ملكي يتدخل في كل صغيرة وكبيرة، وأحزاب عجزت عن أن تكون صوتاً حقيقياً للشارع. وفي المقابل كانت طبقة قليلة تملك أغلب الأراضي، بينما يعيش الملايين من الفلاحين والعمال في فقر. وجاءت هزيمة فلسطين عام 1948 لتكشف الخلل داخل الجيش نفسه، وتؤكد أن التغيير لم يعد رفاهية.
من هذا الواقع خرج تنظيم الضباط الأحرار.ضباط شباب آمنوا أن إنقاذ الوطن يبدأ بتطهيره. قادهم في الظاهر اللواء محمد نجيب، وكان المحرك الأساسي لهم الرائد جمال عبد الناصر. لم يعلنوا عن أنفسهم كحكام، بل قالوا إنهم جاءوا ليسلموا السلطة لشعب حر.
وبالفعل بدأت قرارات متلاحقة غيرت وجه مصر. أُلغيت الملكية في 18 يونيو 1953 وأُعلنت الجمهورية، وتولى محمد نجيب أول رئاسة لها. صدر قانون الإصلاح الزراعي فتم تحديد الملكية ووُزعت مئات الآلاف من الأفدنة على صغار الفلاحين، وانكسر احتكار الأرض الذي دام قروناً. وفي 19 أكتوبر 1954 وُقعت اتفاقية الجلاء وخرج آخر جندي بريطاني بعد 74 عاماً. ثم جاء يوم 26 يوليو 1956 ليُعلن تأميم قناة السويس، فاكتملت السيادة على أهم ممر مائي في العالم.
لم تقف الثورة عند الحدود. حملت مشروعاً قومياً دعم حركات التحرر في المنطقة، وكانت شريكاً في تأسيس حركة عدم الانحياز. وداخلياً بنت السد العالي، ووسعت التعليم المجاني، وأنشأت قطاعاً عاماً كان بمثابة عمود فقري للاقتصاد في تلك المرحلة.
بعد أكثر من سبعين عاماً، تبقى 23 يوليو علامة فارقة في تاريخ مصر. قد نختلف حول بعض تفاصيل التجربة، لكن لا أحد يستطيع أن ينكر أنها اللحظة التي انتقلت فيها مصر من عهد التبعية إلى عهد السيادة، ومن دولة يحكمها الإقطاع إلى جمهورية وضعت العدالة والاستقلال على رأس أهدافها.


