مقالات

متى يهدأ العالم؟ حين تتوقف الحروب أم حين يتوقف الإنسان عن إشعالها؟

صفاء دعبس

لم يعد سؤال «متى تنتهي الحروب؟» سؤالًا يخص السياسيين وحدهم، ولا قضية تُناقش خلف الأبواب المغلقة في غرف المفاوضات. أصبح سؤالًا يطرق أبواب كل بيت، ويلاحق ملايين البشر الذين وجدوا أنفسهم فجأة في قلب حرب لم يختاروها، أو تحت سماء تمطر صواريخ بدلًا من المطر، أو أمام شاشات تنقل صور الموت والدمار حتى أصبح مشهد الحرب جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.
منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، بدا العالم وكأنه دخل مرحلة جديدة من الصراعات المفتوحة، لم تعد فيها الحروب أحداثًا بعيدة عن حياة الشعوب. وبينما كان العالم يبحث عن مخرج من الحرب في أوروبا، جاء السابع من أكتوبر 2023 وما تبعه من حرب في قطاع غزة، ليضع الشرق الأوسط أمام واحدة من أكثر مراحله دموية وتعقيدًا، ويعيد إلى الواجهة سؤالًا مؤلمًا: لماذا يفشل العالم في إيقاف الحروب، بينما يملك كل هذه الأدوات والقدرات لصناعة السلام؟
من غزة إلى إيران وإسرائيل.. هل يقترب العالم من مواجهة أكبر؟
ولم تتوقف دائرة التصعيد عند الحرب الروسية الأوكرانية أو المواجهات في غزة، إذ شهد الشرق الأوسط تصعيدًا خطيرًا بين إيران وإسرائيل، تداخلت فيه الحسابات الإقليمية والدولية، مع انخراط الولايات المتحدة عسكريًا، الأمر الذي أثار مخاوف حقيقية من اتساع رقعة المواجهة وتحولها إلى صراع إقليمي أوسع.
وهنا تبدو الصورة أكثر خطورة؛ فالعالم لم يعد أمام أزمة واحدة يمكن احتواؤها، وإنما أمام عدة بؤر للتوتر، تتشابك فيها المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية، وتصبح فيها أي خطوة غير محسوبة قادرة على فتح باب جديد للتصعيد.
الحرب قد تبدأ بصاروخ، أو قرار، أو تهديد، لكنها لا تتوقف عند حدود من أطلقها. آثارها تمتد إلى الاقتصاد، والغذاء، والطاقة، والهجرة، والأمن، والأهم من ذلك كله: إلى حياة البشر.
الشعوب لا تريد الحرب.. الشعوب تريد أن تعيش
في كل هذه الصراعات تتغير أسماء الأطراف والخرائط والشعارات، لكن المشهد الإنساني يبقى واحدًا: قتلى وجرحى ونازحون، مدن مدمرة، أطفال فقدوا مدارسهم وبيوتهم، وعائلات تعيش على وقع الخوف وانتظار المجهول.
السياسة تتحدث عن النفوذ والمصالح والأمن القومي، والجيوش تتحدث عن الردع والانتصار، لكن الإنسان البسيط لا يبحث عن كل ذلك. هو يريد أن يعود إلى منزله آمنًا، وأن يرى أبناءه في مدارسهم، وأن يخطط للغد دون أن يخشى أن يستيقظ على صوت انفجار.
وهنا تكمن المفارقة: العالم استطاع أن يطور أسلحة قادرة على تدمير مدن بأكملها، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في تطوير إرادة سياسية قادرة على منع الحرب قبل اندلاعها.
السلام ليس ضعفًا
الحروب قد تمنح طرفًا مكسبًا مؤقتًا، وقد تغير حدودًا أو تسقط حكومات أو تعيد تشكيل تحالفات، لكنها لا تستطيع محو آثارها من ذاكرة الشعوب.
فالسلام ليس ضعفًا، وليس استسلامًا، وليس هزيمة لطرف وانتصارًا لآخر. السلام هو أن ينتصر صوت العقل على صوت السلاح، وأن تصبح حياة الإنسان أغلى من الحسابات السياسية والعسكرية.
العالم لا يحتاج إلى حرب جديدة تثبت من الأقوى، بقدر ما يحتاج إلى إرادة حقيقية تثبت أن الإنسان قادر على أن يكون أقوى من الحرب.
متى يهدأ العالم؟
ربما لا توجد إجابة سهلة، وربما لا يستطيع أحد أن يحدد موعدًا لنهاية الحروب. لكن المؤكد أن استمرارها ليس قدرًا محتومًا، وأن ترك الصراعات تتسع من أزمة إلى أخرى قد يجعل ثمن السلام أكبر بكثير.
ولعل السؤال الحقيقي الذي يجب أن يشغل العالم لم يعد فقط: من انتصر؟
بل: كم إنسانًا كان يمكن إنقاذه لو اختار العالم السلام في الوقت المناسب؟
فالحروب قد تبدأ بقرار من قادة، لكنها تنتهي دائمًا عند أبواب الشعوب.

وأخيراً..نحن في عالم أنهكته الصراعات، ربما آن الأوان لأن نفهم أن السلام ليس حلمًا مثاليًا أو شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هو ضرورة للبقاء، وحق للأجيال القادمة في أن تعيش دون خوف من الحرب التالية.
فمتى يهدأ العالم؟
ربما حين يدرك الإنسان أخيرًا أن أعظم انتصار ليس أن يهزم خصمه…
بل أن يمنع الحرب قبل أن تبدأ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى