أخباررياضة

من يحمي الحكام من ارهاب الملاعب؟

 

بقلم: أشرف سركيس

ربما تكون مهنة حكم كرة القدم واحدة من أصعب المهن وأكثرها تعرضًا للضغوط والهجوم والتشكيك، فمهما كانت قراراته، ومهما حاول تحقيق العدالة داخل المستطيل الأخضر، فإنه غالبًا ما يخرج من المباراة متهمًا من طرف، وربما من الطرفين، وقد يصل الأمر إلى الخوض في سمعته وكرامته وأسرته.

وفي الدوري المصري تحديدًا، أصبح الاعتراض على قرارات الحكام مشهدًا معتادًا طوال التسعين دقيقة، فلا تكاد تمر لعبة إلا ونشاهد لاعبًا يحتج، وآخر يلوّح بيديه، وثالثًا يطارد الحكم، ورابعًا يصرخ في وجهه، وكأن الاعتراض أصبح جزءًا من مهارات كرة القدم، لا مخالفة تستوجب العقاب.

والأغرب أنك قد تشاهد مخالفة واضحة وضوح الشمس، ارتكبها اللاعب أمام أعين الجميع، ومع ذلك تجده أول المعترضين وأكثرهم صراخًا وتشويحًا،

وإذا أشهر الحكم البطاقة الصفراء أو الحمراء، تبدأ حفلة جديدة من الاعتراضات والمناقشات والمطاردات، وقد يصل الأمر إلى الاحتكاك الجسدي به،

والمثير للدهشة أن كل هذه المشاهد تحدث رغم وجود تقنية حكم الفيديو المساعد «VAR»، التي جاءت لتقليل الأخطاء التحكيمية، لكنها لم تنجح في تقليل الاعتراضات أو تهدئة الانفعالات.

ولا تقتصر الأزمة على اللاعبين، بل تمتد إلى الأجهزة الفنية والإدارية وبعض الجماهير، حيث يتعرض الحكم لسيل من الشتائم والإهانات والاتهامات، بعضها يتجاوز حدود الرياضة ليطول شرفه وسمعته وأسرته،

أما المأساة الحقيقية فتبدأ أحيانًا بعد صافرة النهاية.

فبدلًا من أن ينتهي دور الحكم بانتهاء المباراة، نجد من يندفع نحوه من اللاعبين والإداريين، وربما من لا علاقة لهم بأرض الملعب أصلًا، ليتحول المشهد إلى محاكمة جماعية، يتبادل فيها الجميع الاتهامات والشتائم والدعاء عليه، وكأنه ارتكب جريمة لا تُغتفر.

والحقيقة أنه لا يوجد حكم كرة قدم في العالم يتفق عليه الجميع، ولا يوجد حكم لا يخطئ، فالحكم بشر، يرى ويقدّر ويتخذ قراره في أجزاء من الثانية، وقد يصيب وقد يخطئ، شأنه شأن اللاعب الذي يهدر فرصة سهلة، أو حارس المرمى الذي يتسبب في هدف، أو المدرب الذي يخطئ في التشكيل والتغييرات.

لكن الفارق أن خطأ اللاعب قد يُنسى بعد مباراة أو اثنتين، وخطأ المدرب قد تمحوه نتيجة جيدة، أما خطأ الحكم فقد يظل عالقًا في الأذهان سنوات طويلة، ويطارده حتى اعتزاله، وربما حتى وفاته وبعد وفاته، فتظل مباراة واحدة أو صافرة واحدة عنوانًا لتاريخه بالكامل.

وللأسف، ساهمت بعض البرامج الرياضية ومواقع التواصل الاجتماعي في زيادة حدة هذه الظاهرة، فأصبحت الأخطاء التحكيمية مادة يومية للإثارة وتبادل الاتهامات، وأحيانًا التشكيك في الذمم والنزاهة، دون

ولا يعني ذلك أن الحكام فوق النقد أو المحاسبة، بل على العكس، فمن حق الأندية والجماهير المطالبة بتحكيم عادل وكفء، ومن واجب الجهات المسؤولة تقييم أداء الحكام ومحاسبة المخطئ وتطوير مستواهم،

وهنا يفرض السؤال نفسه: من يحمي الحكام؟

أين العقوبات الرادعة على من يطارد الحكم أو يعتدي عليه لفظيًا أو جسديًا؟ وأين دور اتحاد الكرة ورابطة الأندية في حماية هيبة التحكيم؟

إن حماية الحكم لا تعني حمايته من المحاسبة، وإنما حمايته من الإهانة والترهيب والتشهير، لأن الحكم الذي يدخل الملعب خائفًا من اللاعبين والأجهزة الفنية والجماهير والإعلام لن يستطيع أداء مهمته بالثقة والاستقلالية المطلوبة

وأخيرًا..إذا كنا نطالب الحكم بالعدل بين الفريقين، فمن العدل أيضًا أن نحميه من ظلم الجميع.

ويبقى السؤال الذي يحتاج إلى إجابة حقيقية، لا مجرد تصريحات ووعود:

من يحمي الحكم عندما يتحول الجميع إلى حكام عليه؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى