محافظات

نقاط الاشتباك واحدة.. وكأن التاريخ يعيد نفسه

بقلم/دكتور احمد مسعد 

شعرتُ من المحيطين المهتمين بالعمل السياسي بتراجع حماسهم كثيراً عندما تم اتخاذ قرار إعادة صياغة قانون الإدارة المحلية، وأن مازال أمامنا وقت أعتقد أنه ليس بالقليل حتى يخرج إلى النور؛ وهكذا هي طبيعة السياسة، وعلى من أراد أن يمارسها أن يتعايش معها عملاً وانتظاراً، صعوداً وهبوطاً .

ولن أطيل عليك، سأعيدك مرة أخرى لقاعة مجلس الشعب عام 79 والاشتباكات على أشدها، لنتناول ثلاثاً منها، وأترك لك المساحة كاملة لتفكر: ماذا سيقدم لنا مجلس النواب 2026 في هذه الإشكاليات التي مازالت قائمة بكل تفاصيلها؟ 

الاشتباك الرابع: “موازنة المحافظة”.. (الاستقلال المالي أم المركزية المالية؟)

هذه النقطة كانت ومازالت “عنق الزجاجة” في نجاح أي نظام محلي. هل تملك المحافظة “حق التصرف” في إيراداتها (ضرائب، رسوم محاجر، تراخيص)؟ أم ترسل كل إيراداتها للقاهرة؟ 
في القاعة: طالبت المعارضة بأن يكون للمجلس المحلي حق “إقرار الموازنة” لا “اقتراحها”. رفضت الحكومة بحجة أن مصر “دولة موحدة” وليست “اتحادية”، ولا يجوز أن تكون هناك محافظة غنية (مثل القاهرة) وأخرى فقيرة (مثل …) ⚖️.
النتيجة: ظل التمويل مركزياً، وهو ما جعل المجالس المحلية حتى اليوم “مقيدة اليدين” مالياً .
السؤال الأهم: هل نستطيع حقيقةً تفعيل لامركزية مالية؟ طيب، هل نستطيع على الأقل تفعيل لامركزية مالية بشكل جزئي؟ 

الاشتباك الخامس: “تداخل الاختصاصات”.. (بين المحافظ والوزير
مديرية التعليم أو الصحة في المحافظة.. لمن تخضع؟ للمحافظ (اللامركزية) أم للوزير في القاهرة (المركزية)؟ 
في القاعة: كان هناك تخوف من أن المحافظ سيصبح “رئيساً للجمهورية” في إقليمه إذا خضعت له كل المديريات، مما قد يضعف قبضة الوزارات 
النتيجة: خرج القانون بصيغة “تبعية مزدوجة”، تسببت في بيروقراطية شديدة نعاني منها حتى الآن؛ حيث يضيع القرار بين “تأشيرة المحافظ” و”تعليمات الوزير” .

السؤال المباشر: هل نملك رغبة في تحقيق لامركزية إدارية؟ كنتُ ومازلتُ أرى أن من “على الأرض” هو الأحق بأن يكون له حق الإدارة، وأن التخطيط الاستراتيجي والإدارة الفنية هي اختصاص خالص لـ “رؤوس المنظومة“، وأنه يجب أن يكون هناك خط فاصل لإنهاء ما يسمى بـ “التبعية المزدوجة” تماماً 

الاشتباك السادس: “التعيين vs الانتخاب” للمناصب القيادية 
هذه النقطة كانت ومازالت “أم المعارك” في المحليات. لماذا لا يتم انتخاب المحافظ ورؤساء المدن والأحياء بدلاً من تعيينهم؟ في القاعة: كان رد الدولة (الساداتية) وقتها أن مصر “دولة مركزية بسيطة” (Unitary State) وليست اتحادية، وأن انتخاب المحافظ قد يؤدي لظهور “زعامات إقليمية” تهدد وحدة الدولة السياسية، خاصة في ظل وجود تيارات دينية بدأت تنمو في الأقاليم .

هذا النقاش تحديداً هو ما جعل قانون 79 يكرس “التعيين من قمة الهرم” والانتخاب “للقاعدة فقط” .
هنا، وبعد ما مررنا بتجارب انتخابية، أؤيد تماماً وجهة نظر دولة السادات حينها، والتي أعتقد أنها صائبة بنسبة تتخطى 100% .

الاشتباكات في قانون المحليات مازالت مستمرة، وكل النقاط التي كانت نقاط اشتعال ثابتة ستكون هي نفسها في مناقشات 2026، ولكن الحقيقة أن التكوين المجتمعي والاقتصادي والسياسي للمجتمع المصري تغير كثيراً، وبات لديه قبول لاستيعاب تجربة أفكار جديدة 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى