تقارير

اليوم ذكري استشهاد الطيار طلال سعد الله

المؤرخ العسكري: أحمد عطية
اليوم 21 ابريل هو ذكري استشهاد الطيار الفدائي البطل طلال سعد وقصته كا وردت بكتابي قلعة النسور
شهيد ملازم أول طيار طلال سعد الله
شاب مصرى صغير السن آمن بربه وأقسم على حماية وصيانة أرض بلده مهما كلفه الأمر .. وتعاهد بينه وبين نفسه ألا يسقط أسيراً بين أيدى العدو الغادر .. وبالفعل صدق ماعاهد الله عليه.. عندما أصيبت طائرته فوق موقع العدو بعد أن أدى مهمته وتأكد من جسامة الأصابة بحيث لن يمكنه العودة بها إلى قاعدته كما حدث فى عملية سابقة قرر الأنقضاض على باقى الموقع ليدمره تدميراً شديداً بمن بقى فيه .. لم يفكر فى نفسه وشبابه .. لم يفكر فى والدته ولا أبيه ولا أخيه المريض الذى يصطحبه الى الطبيب ..لم يفكر فى خطيبته التى فى إنتظاره وتعد الأيام لأتمام الزواج.. . لم يفكر إلا فى كرامة وشرف مصر .. إنه الطيار الأستشهادى طلال سعد الله..
والذى ينطبق عليه قول الله تعالى : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) صدق الله العظيم.

نبدأ قصته من مولده بمنطقة نصر الدين بمدينة الجيزة فى أسرة من رجال التعليم فوالده عمل مدرسا ثم مقتشاً بالتربية والتعليم ، وأربعة من أخواله الخمسة أيضا كانوا من رجال التربية والتعليم مدرسان وناظران فى حين كان الخامس ضابطا بالجيش .
كان طلال الثالث بين خمسة أخوة من الذكور يسبقه أسامة مدرس التربية الرياضية ، وعبد الهادى ضباطا بالقوات المسلحة ، وبطلنا طلال ، ثم صفوان طالب التربية الموسيقية ، ثم تيسير أصغر الأبناء.
وكان طلال منذ صغره أثناء دراسته الأبتدائية والأعدادية بمدارس حى العمرانية بالجيزة والثانوية بمدرسة الخيدوى إسماعيل بالمبتديان محباً لكتبه الدراسية محافظا على نظافة ونظام كراريسه ، لكن أهم ما كان يلفت النظر فيه هو حبه للأماكن المرتفعة .. حتى أنه كان يحرص على مذاكرة دروسه فوق سطوح المنزل وكانت من أمانيه أن يسكن فى عمارة من 25 طابقاً وتكون شقته على سطح العمارة .. فى صغره كان معجباً بالقطارات وينصت لصوتها أثناء مرورها على مسافة غير بعيدة من المنزل ، وعندما كان يًسأل وهو صغير :
* ماذا تريد أن تعمل عندما تكبر؟
كام يجيب :
* أريد أن أكون سائق قطار.
فكنا نداعبه ونقول له :
* لا .. أختر مهنة أسهل .
فكان يجب :
* خلاص أطلع فوق السطح .
أمتاز طلال بالهدوء ، والحنان والعطف على أسرته منذ طفولته .
ولكن عشقه للطيران لم يتبلور إلا وهو فى المرحلة الثانوية فكان يشترى أى مجلة أو كتاب يتحدث عن الطيران . وعندما حصل على الثانوية العامة تقدم بأوارقه إلى ثلاثة جهات : الكلية الحربية ، ومعهد التربية الرياضية ، ومعهد العلاج الطبيعى وقد قبل بالجهات الثلاثة وكان الأول فى بعضها ولكنه دخل كلية الطيران عن طريق الكلية الحربية ، وكان متفوقا فى دراسته للطيران حتى أن والده سأله عن سر تفوقه الواضح فكانت إجابته :
* إنه التواضع يا أبى .. فمن التواضع يتعلم الأنسان الكثير بل ويصبح مناخاً بشريا طيبا يستقبل المعارف والعلوم ليهضمها ويستفيد بها ..
وتخرج من كلية الطيران عام 1968 وكان عمره 22 عاماً ، وشارك فى حرب الأستنزاف ، وكان ممن يجيدون الطيران المنخفض ، وأثبت جدارة وتفوقاً وشجاعة فى قصف مواقع العدو حيث أنه كان جريئاً ومقداماً حتى إنه حصل على نوط الشجاعة العسكرى ثلاث مرات:
= الأولى فى نوفمبر 1969 عندما إستطاع ضرب مواقع العدو وتجمعاته ومستودعات ذخيرته فى سيناء .
= الثانية لشجاعته الفائقة فى المعارك الجوية التى خاضها ضد طائرات العدوخلال عام 1970 .
= الثالثة بعد عملية جريئة قام بها فى جو عاصف وظروف مناخية صعبة تكاد تكون الرؤية منعدمة خلالها ، ولم يخطر ببال العدو أنه يمكن لطائرة مصرية أن تغير عليه فى مثل هذه الظروف طائرة مصرية لأن أى طلعة من كلا الجانبين فى مثل هذه الظروف معناها إنتحار الطيار وتحطم طائرته قبل أن يحقق أى هدف . ولكن طلال حينما صدرت له الأوامر للأقلاع بطائرته لتدمير موقعا للعدو لم يتأخر لحظة ولم يفكر فى رداءة الجو فكان قد وصل لمستوى عال من التدريب مع زملائه للطيران فى أقسى الظروف وجميع الأجواء .. إنطلق طلال بطائرته بعد أن أستمع لنصائح وأرشادات زملائه : لا تنخفض بطائرتك كثيراً .. تفاد مواقع الدفاع الجوى للعدو.. وعندما تأخذ طائرته طريقها على ممر الإقلاع ترتفع أصابع الإبهام لزملائه له مشجعين وقلوبهم تدعو له . ووسط هذا الجو الملئ بالعواصف الشديدة والأتربة والغبار شق طريقه على إرتفاع منخفض نحو سيناء حتى أنه شاهد بعض الأشجار والشجيرات على الضفة الغربية للقناة وهى تقتلع من شدة الرياح وبعد عدة دقائق كان طلال فوق موقع صواريخ العدو على إرتفاع منخفض وانقض على الموقع يدمره ويشاهد جنود العدو الذين بغتوا بهذه الغارة ووجدوا الموت يحوم فوق رؤسهم يفرون من الموقع ليدفنوا نفسهم بعيداً فى فى الرمال . . وفى غرفة العمليات بقاعدة طلال ران الصمت على الجميع وبدا القلق على الطيارين ومن حين لأخر ينظرون إلى ساعاتهم ، فلكل عملية مدة محددة من إقلاع الطيار حتى وصوله .. وفى الوقت المحدد هبط طلال بطائرته على ممر القاعدة وسط تهليل الطيارين الذين أستقبلوه بالعناق .
قبل إستشهاده بعدة أسابيع كان شديد الحرص على الصلاة بمسجد الأمام الحسين .. وعندما سأله والده عن السبب فى ذلك كانت إجابته وهو مندهشاً من سؤال والده :
* إنه أبو الشهداء ، ومن يدرى لعلى أحظى بالشهادة فيشفع لى عند ربى .
ولما كان الأب ينتابه الخوف على ولده فيسأله عن مظلة الطيران وهل هى جاهزة للأستعمال فى أى وقت ؟
كان طلال يغضب ويجيب فى حزم :
* لن ألجأ إلى المظلة وأنا فوق العدو .. لن أقع فى يده أسيراً على الاطلاق.

وفى اليوم الموعود .. وبعد عملية ذلك اليوم العاصف بعدة أيام .. وبالتحديد فى يوم 21 من إبريل 1970أدى طلال المهمة المكلف بها وهى ضرب مواقع العدو بسيناء بكل كفاءة وإقتدار وهى المهمة التى طالما أداها طلال بكفاءة من قبل .. وفجأة .. تحدث إلى قائد تشكيله لاسلكياً :
* طائرتى أصيبت يا فندم .. إحتمال نجاتى غير مؤكد .. سأضرب بجسم طائرتى فى العدو .. أمامى صواريخ هوك .. الله أكبر .. تحيا مصر..
كانت تلك آخر كلمات البطل فى كابينة قيادة قائده ثم ساد الصمت داخل الكابينة فى الوقت الذى حدث فيه إنفجار ضخم فى موقع العدو الذى يضم منصات صواريخ الهوك المضادة للطائرات وعددا من من خبراء تشغيل هذه الصواريخ من جراء أصطدام طائرة البطل طلال المصابة بما تحمله من وقود وذخائر بالقاعدة بما تضمه من صواريخ لتتحول إلى كتلة ضخمة من النيران..ويوم الثلاثاء الموافق 28 إبريل 1970 ومن جامع عمر مكرم بميدان التحرير خرجت ثلاثة نعوش ملتفة بأعلام مصر فوق ثلاثة عربات عسكرية لثلاثة من شهداء مصر من الطيارين الذين أستشهدوا وهم يؤدن واجبهم على جبهة القتال وهم :
= البطل الشهيد طيار فاروق جاد الرب قنديل .. أستشهد فوق رأس سدر بجنوب سيناء بعد تدمير مواقع العدو هناك يوم 19 إبريل 1970 .
= البطل الشهيد طيار طلال محمد سعد الله .. أستشهد فى بالوظة بشمال سيناء بعد تدمير موقع صواريخ هوك يوم 21 إبريل 1970 .
= البطل الشهيد طيار محمد عبد الجواد .. أستشهد بعد تدميره لطابور مدرع للعدو متحرك على الطريق الساحلى بين العريش ورفح فى عمق سيناء يوم 25 إبريل 1970 .
وتحول ميدان التحرير لكتلة متلاحمة من البشر الذين جاءوا للمشاركة فى الجنازة الشعبية التى تحولت إلى مظاهرة كبيرة تنادى بالثأر لدم الشهداء والموت والهلاك لأسرائيل وأنشدوا نشيد بلادى بلادى .. وشارك فيها إلى جانب أسر الشهداء كل من السيد أنور السادات نائب رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر ن والفريق محمد فوزى وزير الحربية ، وعدد من سفراء الدول العربية . وكانت هتافات الجماهير التى خرجت من القلب :
* سنحارب حتى النصر ..
* بالروح بالدم نفديكى يا مصر ..
* أبطال الجو شعلة النصر ..
* الثأر الثأر يا أبطال الفدا ..
* الموت للأعداء .. والخلود للشهداء..

وسار موكب الشهداء من مسجد عمر مكرم حتى جامع شركس وسط حشود بشرية ومشاركة للأهالى من شرفات ونوافذ البنايات على طول الطريق .. وبعدها نقلت الجثامين الطاهرة إلى مقابر الشهداء بالخفير على طريق صلاح سالم 
وتطوى مصر صفحة نضال .. لتبدأ صفحة جديدة من الكفاح فى تاريخها العريق المجيد .

ونأمل أن تعيد محافظة الجيزة اسم البطل الشهيد إلى الشارع الذى كان يحمل اسمه عقب استشهاده

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى