أدبدينمقالات

المقال التاسع والعشرون من سلسلة “ممالك اسلامية لها تاريخ مجيد .. عظماء كتبوا التاريخ في الظل”

بعنوان : " إمارة كريت الإسلامية: الدولة التي سيطرت على قلب البحر المتوسط"

بقلم./الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.

في صفحات التاريخ الإسلامي المنسية، تبرز إمارة كريت الإسلامية (إقريطش) كواحدة من أعظم القوى البحرية التي سيطرت على شرق البحر المتوسط، وأرعبت الإمبراطورية البيزنطية قرابة قرن ونصف,إنها قصة دولة نشأت من الشتات، وتحولت إلى قوة بحرية ضاربة، وكتبت تاريخًا لا يزال خافتًا في كتبنا رغم عظمته.
أولًا: النشأة والموقع الجغرافي:
تقع جزيرة كريت في قلب البحر المتوسط، جنوب اليونان الحالية، وتُعد موقعًا استراتيجيًا يتحكم في طرق الملاحة البحرية بين الشرق والغرب.
نشأت الإمارة في الفترة ما بين 824م – 827م، عندما وصل إليها لاجئون أندلسيون مسلمون بقيادة القائد أبو حفص عمر الإقريطشي، بعد طردهم من الأندلس ثم من الإسكندرية.
كانت الجزيرة قبل ذلك تحت حكم الدولة البيزنطية.
تمكن المسلمون من السيطرة عليها بسرعة وتأسيس دولة مستقلة.
(وارن تريدغولد:1997م ص 378).
ثانيًا: نظام الحكم والقادة:
قامت الإمارة على نظام إمارة إسلامية مستقلة اسميًا تحت الخلافة العباسية، لكنها عمليًا كانت دولة ذات سيادة.
أبرز القادة:
أبو حفص عمر الإقريطشي (المؤسس)
قائد أندلسي محنك، قاد فتح الجزيرة وتأسيس الدولة.
شعيب بن عمر:
واصل تثبيت أركان الدولة بعد والده.
عبد العزيز بن شعيب (آخر الحكام):
شهد سقوط الإمارة على يديه سنة 961م.
(جورج مايلز:1964م ، ص 11).
ثالثًا: مقومات القوة، والازدهار:
1)الموقع الاستراتيجي:
تحكمت كريت في طرق التجارة البحرية شرق المتوسط، مما منحها قوة جيوسياسية هائلة.
2)القوة البحرية:
تحولت الإمارة إلى قاعدة بحرية متقدمة.
سيطرت على بحر إيجة، وهددت السواحل البيزنطية باستمرار.
3)الاقتصاد القوي:
تجارة نشطة مع مصر والعالم الإسلامي.
زراعة مزدهرة (ويُرجح إدخال زراعة قصب السكر).
سك عملات ذهبية وفضية مستقرة.
(فاسيليوس كريسيدس :1981م، ص 98).
رابعًا: دورها في خدمة الإسلام:
رغم الصورة التي رسمها المؤرخون البيزنطيون بأنها “دولة قراصنة”، إلا أن المصادر الإسلامية تشير إلى:
قيام دولة منظمة ذات اقتصاد مستقر.
نشر الإسلام في الجزيرة وتحولها إلى مركز إسلامي.
حماية طرق التجارة الإسلامية.
دعم التوسع البحري الإسلامي في أوروبا.
خامسًا: آثارها وثمارها الحضارية:
تحويل كريت إلى مركز حضاري إسلامي
إقامة مجتمع متعدد الأعراق والثقافات
ازدهار التجارة والزراعة
تطور العمران خاصة في العاصمة (خندق – Chandax)
سادسًا: الصراع مع البيزنطيين:
ظلت الإمارة عدوًا رئيسيًا للإمبراطورية البيزنطية لأكثر من 135 عامًا.
حاول البيزنطيون استعادتها مرات عديدة وفشلوا.
سابعًا: السقوط، وأسبابه:
سقطت الإمارة سنة 961م على يد القائد البيزنطي نقفور فوكاس بعد حملة عسكرية ضخمة.
أبرز أسباب السقوط:
١)الضغط العسكري البيزنطي المستمر
٢)العزلة الجغرافية.
٣)ضعف الدعم من العالم الإسلامي
٤)الاعتماد النسبي على القوة البحرية دون تحصين داخلي كافٍ.
ثامنًا: الدروس الحضارية:
قوة الموقع الجغرافي تصنع الحضارات.
الأمة التي تملك البحر تملك القرار.
الشتات يمكن أن يتحول إلى نهضة إذا وُجدت القيادة.
غياب الدعم الاستراتيجي يؤدي إلى السقوط مهما بلغت القوة.
خاتمة:
لقد كانت إمارة كريت الإسلامية تجربة فريدة في التاريخ الإسلامي؛ دولة نشأت من المهاجرين، وسيطرت على قلب البحر المتوسط، وأثبتت أن الإرادة والعلم والموقع يمكن أن تصنع حضارة.
إنها صفحة منسية، لكنها تحمل دروسًا عظيمة لأمة تبحث عن طريق النهضة من جديد.
المراجع العربية، والأجنبية:
١)وارن تريدغولد، تاريخ الدولة البيزنطية، دار نشر جامعة ستانفورد، 1997م.
ك. كنار، دائرة المعارف الإسلامية، دار بريل، 1971م.
جورج مايلز، النقود الإسلامية في كريت، المتحف الأمريكي، 1964م.
٢)فاسيليوس كريستيدس، الغارات الإسلامية في بحر إيجة، مجلة Byzantion، 1981م.
٣)Philip K. Hitti، تاريخ العرب، دار صادر، بيروت.
٤)حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسي والديني، دار الجيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى