مقالات

النرجسي.. “بطل” في العلن و”جلاد” خلف الأبواب المغلقة

كتب: أحمد صلاح 

 

كيف تحولت الشخصية النرجسية إلى أزمة تضرب استقرار العلاقات والمجتمع؟

لم يعد مصطلح “النرجسية” مجرد توصيف نفسي عابر يتداوله رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بل استحال واقعاً ملموساً يعيشه الكثيرون يومياً؛ سواء داخل أروقة المكاتب، أو في زوايا البيوت، وحتى في دوائر الأصدقاء المقربين. إنها الشخصية التي تتقن فن التخفي خلف قناع من المثالية، بينما تمارس في الخفاء استنزافاً نفسياً لمن حولها.

البداية الخادعة: سحر الحضور وثقة زائفة

في اللقاءات الأولى، يطل الشخص النرجسي بوجهٍ لافت؛ فهو واثق، جذاب، وناجح في كسب الإعجاب. يتحدث بلباقة مفرطة، ويجيد لفت الأنظار واستمالة القلوب وكسب التعاطف، مما يجعله يبدو كشخصية نموذجية يصعب التشكيك في نواياها. لكن، مع مرور الوقت وتوطد العلاقات، يبدأ هذا القناع بالتشقق لتظهر الملامح الحقيقية للصورة.

في بيئة العمل: صراع السيطرة ونسب النجاح

داخل المؤسسات، يسعى النرجسي للهيمنة على المشهد بالكامل. وتتجلى أزمة هذه الشخصية في بيئة العمل من خلال عدة سلوكيات مدمرة، أبرزها:

سرقة الجهود: ينسب النجاحات الجماعية لنفسه وحده.

التملص من المسؤولية: يلقي بتبعات الأخطاء على عاتق الآخرين.

رفض النقد: لا يقبل أي ملاحظة مهما كانت بناءة أو بسيطة.

النظرة الأداتية: يتعامل مع زملائه كأدوات لتحقيق طموحاته ومصالحه الشخصية، دون أي اعتبار للزمالة أو المهنية.

داخل الأسرة: التحكم تحت غطاء الاهتمام

أما خلف أبواب المنازل، فتتخذ الأزمة شكلاً أكثر قسوة وعمقاً. يبدأ النرجسي علاقته باهتمام مبالغ فيه يُشعر الطرف الآخر بالتميز، ثم يتحول هذا الاهتمام تدريجياً إلى “تحكم نفسي” وضغط عاطفي مستمر.

يصبح “التقليل من شأن الآخر” سلاحه الدائم لكسر ثقة شريكه، ويبقى “الاعتذار” بالنسبة له فعلاً مستحيلاً، لأنه يراه اعترافاً بالهزيمة لا تقبله ذاته المتضخمة.

المظهر قبل الجوهر: صناعة الصورة المثالية

مجتمعياً، يكرس النرجسي حياته لصناعة صورة “برّاقة” تخفي خلفها خواءً عاطفياً. فهو يقدس المظاهر والشكليات، ويبحث دوماً عن الإعجاب والتقدير والثناء، حتى لو تطلب الأمر التضحية بمصالح أقرب المقربين منه أو تشويه سمعتهم ليظهر هو في ثوب المثالية.

رأي الخبراء: التلاعب العاطفي والاستنزاف الصامت

يؤكد خبراء علم النفس أن جوهر الشخصية النرجسية يقوم على “التلاعب العاطفي” والشعور الدائم بالتفوق والتميز عن الآخرين. ويشير المتخصصون إلى أن مكمن الخطورة يكمن في قدرة النرجسي الفائقة على إخفاء حقيقته لفترات طويلة، مما يجعل الضحية تقع في فخ “الاستنزاف النفسي” دون أن تدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان.

الوقاية النفسية: رسم الحدود

ويرى المتخصصون أن النجاة في التعامل مع هذه الشخصية تكمن في وضع “حدود واضحة” وحذر نفسي شديد، وتجنب الانجراف خلف الوعود الوردية أو التبريرات التي يسوقها النرجسي لأخطائه.

 

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه في ختام هذا الطرح: كم شخصاً نرجسياً نصادفه في تفاصيل يومنا دون أن نكتشف حقيقته إلا بعد أن نكون قد دفعنا ضريبة ذلك من سلامنا النفسي؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى