“هجر القرى”.. رحلة بحث عن المستقبل أم تذكرة ذهاب بلا رجعة

محمود عوض
رحلة البحث عن المستقبل تحولها الأيام إلى شتات أسري وحسرة مؤجلة.. حين تعود الجثامين في صناديق خشبية وتتبدد الأحلام على أعتاب العقوق!
وتحت شعار براق لا يتوقف الشباب عن ترديده: “من أراد العُلى هجر القرى”، تحولت الهجرة من الريف إلى المدن أو السفر إلى الخارج من مجرد خيار لتحسين المعيشة إلى ظاهرة استنزاف إنسانية واجتماعية حادة، تضرب أركان الأسرة في مقتل وتترك خلفها جراحاً لا تندمل.
في أروقة القرى الهادئة، لم يعد المشهد كما كان؛ بيوت كانت تعج بالحياة والضحكات واللمة الأسبوعية، أصبحت اليوم مأهولة بأباء وأمهات أنهكهم المشيب، ينتظرون مكالمة هاتفية قد تأتي أو لا تأتي من ابن اقتطع سنين عمره لـ “يُكوّن نفسه”، ليجد نفسه في النهاية مغترباً في مهن متدنية وبأجور زهيدة لا تسد رمق الطموح الذي خرج من أجله.
زتقول الشواهد إن الأزمة لم تعد في البعد الجغرافي فحسب، بل في التكلفة الإنسانية الباهظة. فكثير من الشباب يسارعون إلى ترك أرضهم الزراعية ومصدر رزقهم المستقر، ليقبلوا بظروف قاسية وسكن غير آدمي في غياهب المدن المزدحمة أو البلاد البعيدة، متناسين أن الرزق لا يتطلب بالضرورة الهرب من “الدار”.
والأدهى من ذلك، أن سنوات الغربة الطويلة باعدت بين الأبناء ووالديهم إلى حد الفجوة الأخلاقية؛ حيث أصبحت العزاءات تُقدّم عبر منشورات “الفيس بوك” ومكالمات الفيديو، واكتفى بعض المغتربين بإرسال التعازي في وفاة أقرب الناس إليهم – آبائهم وأمهاتهم – دون أن يكلفوا أنفسهم عناء الحضور لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة!
ولعل أشد ما يؤلم في هذه الظاهرة، أن بعض من يسافرون باحثين عن “العُلى” تاركين الأهل والأحباب، لا يعودون من غربتهم إلا في صندوق خشبي؛ يرحلون بعد أن تركوا خلفهم أوجاعاً لا تنتهي، وقبلة وداع حزينة طُبعت على جباههم من أصغر الأبناء والأحفاد الذين لم يعرفوا عن أباهم سوى صوته عبر الهاتف.
يرحل المغترب تاركاً بضعة أرقام في حسابه المصرفي، لكنه يخرج من الدنيا “مفلساً” في صلة الرحم مع أقرب الناس إليه؛ يرحل محروماً من دعوة أم كانت تنتظر أوبته على جمر الشوق، ومن حضن ابن طالما تغرب وقسى على نفسه من أجل مستقبله، ليتكتشف الجميع في النهاية أن الحسابات كانت خاطئة، وأن المادة لا تعوض لحظة واحدة بين الأحضان الدافئة.
ويرى خبراء علم الاجتماع أن هذا النزوح غير الممنهج يعكس تحولاً خطيراً في سلم الأولويات المجتمعية؛ حيث طغت الماديات على المبادئ والقيم، وتحول الأب المغترب إلى مجرد “مصرف آلي” يرسل الأموال لأسرته دون أن يربيهم أو يعيش معهم، مما أفرز أجيالاً تعاني من اليتم النفسي والتفكك الأسري.
ويؤكد علماء الدين أن قطع الأرحام والتخلي عن الوالدين في أشد أوقات حاجتهما تحت دعاوى “السعي وراء المستقبل” هو نوع من العقوق المبطن، ومظهر من مظاهر تغير أحوال الزمان واختلال الفطرة السليمة، مشددين على أن البر هو أساس البركة في الرزق والعمر.
إن بناء المستقبل حق مشروع لكل شاب، ولكن الواجب اليوم هو تصحيح هذه المفاهيم المغلوطة التي دمرت البيوت. لقد حان الوقت ليتغير هذا الشعار؛ بدلاً من “من أراد العُلى هجر القرى”، ليكون الشعار الحقيقي والجامع: “من أراد العُلى.. اتّقى في أهله وناسه ربّ العالمين



