إغراق “داكار” بطولةً في الأعماق

بقلم: د. غادة محمد عبد الرحمن
ما زلنا في رحاب الذكرى الـ ٥٣ لانتصار أكتوبر المجيد، الذي نعلم علم اليقين أنه لم يكن وليد لحظته، أو جاء بناءً على قرار اتُّخذ يوم السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣م، بل إنه كان نتيجة مثمرة وتتويجاً لسنوات من الكفاح الذي لم يقتصر على الاستعداد للحرب وما يتضمنه ذلك من تخطيط وتدريب وتسليح، بل سار ذلك جنباً إلى جنب مع حرب الاستنزاف التي شنتها القوات المسلحة رداً على نكسة يونيو عام ١٩٦٧م، وما ترتب عليها من احتلال أجزاء من الأراضي المصرية في شبه جزيرة سيناء.
فقد أصر جيشنا الباسل أن يثبت للعالم أجمع أن ما زال للحكاية بقية، وإن ما حدث في يونيو عام ١٩٦٧م كان مجرد حلقة في سلسلة طويلة من المعارك الطاحنة ستنتهي بالنصر المنشود، ومن ثم جاءت حرب الاستنزاف التي أُعلنت رسمياً من قبل الزعيم الخالد جمال عبد الناصر في مارس عام ١٩٦٩م، بينما كانت بدايتها الفعلية بعد وقوع النكسة بأيام قليلة وتحديداً في الأول من يوليو عام ١٩٦٧م مع معركة “رأس العش”، عندما قامت قوة صغيرة من قوات الصاعقة المصرية المزودة بأسلحة خفيفة في منطقة رأس العش بمدينة بورفؤاد بمواجهة قوة مدرعة صهيونية حاولت التسلل إلى المدينة، واستمرت المعركة لمدة سبع ساعات متواصلة مما أوقع بالقوة الصهيونية خسائر فادحة أدت إلى تراجعها وفشلها في احتلال مدينة بورفؤاد، ولهذا كانت المعركة بمثابة الترياق الذي بُث في جسد مسموم يصارع الموت فعادت له الحياة من جديد، حيث أعادت معركة “رأس العش” الثقة بالنفس ورفعت الروح المعنوية للجيش والشعب معاً، وتوالت بعد ذلك العديد من العمليات العسكرية براً وبحراً بجرأة منقطعة النظير، أذهلت الجميع وأثبتت للعدو الصهيوني الذي استُنزفت قواه مادياً ومعنوياً أن ما ترتب على أحداث يونيو عام ١٩٦٧م من وضع شاذ لا يمكن أن يستمر، وإن خير أجناد الأرض لا يعرفون الهزيمة.
ونظراً لتعدد المعارك والعمليات العسكرية البطولية التي قام بها جيشنا العظيم إبان حرب الاستنزاف، سنخصص هذا المقام للحديث عن إحدى هذه العمليات الهامة التي قامت بتنفيذها قوات البحرية المصرية في يناير عام ١٩٦٨م، قبالة سواحل مدينة الإسكندرية، ألا وهي إغراق الغواصة الصهيونية المتقدمة “آي إن إس داكار” في أولى رحلاتها بعد أن قام الكيان الصهيوني بشرائها من بريطانيا ليضمها إلى أسطوله البحري، حيث كانت قادمة من ميناء بورتسموث ببريطانيا ومتجهة إلى ميناء حيفا بالكيان الصهيوني، وبينما هي في طريقها قامت باختراق المياه الإقليمية المصرية والاقتراب من ميناء الإسكندرية وذلك تنفيذاً لأوامر تلقتها من القيادة الصهيونية للقيام بأعمال تجسسية وتخريبية، وهنا قامت إحدى مدمرات البحرية المصرية بالتعامل معها مستخدمة في ذلك قذائف الأعماق التي أصابتها إصابة بالغة مما أدى إلى تدميرها وفقد كامل طاقمها المكون من ٦٩ ضابطاً وجندياً.
وعلى الرغم من قوة العملية وما مثلته من ضربة موجعة للكيان الصهيوني، إلا أنها لم تحظَ بالشهرة التي تستحقها؛ وذلك لأن القيادة المصرية رفضت الإعلان عنها في حينها لعدم وجود دليل مادي على حدوثها، حيث لم يتم العثور على أي جزء من حطام الغواصة الغارقة، وهذا إلى أن قامت جريدة الأخبار المصرية عام ١٩٧٠م بنشر تقريرٍ صحفيٍّ تم مراجعته من قبل وزير الدفاع في ذلك الوقت الفريق أول محمد فوزي كشفت فيه عن تفاصيل العملية، ليُعد أول إعلان رسمي من قبل الدولة المصرية، ثم نُشر بعد ذلك العديد من التقارير والتصريحات للعديد من القادة العسكريين كان من بينهم من شاركوا في عملية الإغراق.
هذا ولم يتم العثور على حطام الغواصة “داكار” رغم كل عمليات البحث التي قام بها الكيان الصهيوني على مدار ثلاثة عقود، وذلك حتى عام ١٩٩٩م حيث تم العثور على أجزاء من حطام الغواصة في قاع البحر المتوسط على عمق حوالي ٣٠٠٠ متر بين جزيرتي كريت وقبرص، وقد قام الكيان الصهيوني بانتشال بعض من هذه الأجزاء المحطمة وعرضها في المتحف البحري بمدينة حيفا.
وفي النهاية، كل التحية والإجلال لأبطالنا العظام الذين قاموا بتنفيذ عملية إغراق الغواصة “داكار” وغيرها من العمليات الهامة التي حررت الوطن من قيود الأسر ومهدت الطريق أمام الانتصار العظيم.



