
بقلم /الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
حين يُذكر تاريخ دخول الإسلام إلى شبه القارة الهندية، فإن الأنظار كثيرًا ما تتجه إلى الفتوحات الكبرى، غير أن صفحاتٍ مهمةً من التاريخ بقيت في الظل، ومن أبرزها إمارة ملتان ،والسند الإسلامية التي كانت أول جسر حضاري، ودعوي حمل نور الإسلام إلى بلاد الهند، فكانت قاعدةً للعلم، والتجارة، والدعوة، ومركزًا لتلاقي الحضارات، ومقدمةً لانتشار الإسلام في شرق العالم الإسلامي.
أولًا: نشأة الإمارة، وموقعها الجغرافي:
تقع ملتان في الإقليم الواقع بين نهر السند، ونهر تشناب، وهي اليوم ضمن جنوب البنجاب في Pakistan، أما السند فهو الإقليم الممتد على ضفاف نهر السند حتى بحر العرب.
دخل الإسلام هذه المنطقة سنة 92هـ / 711م عندما فتحها القائد المسلم الشاب:
محمد بن القاسم الثقفي
في عهد الخليفة الأموي:
الوليد بن عبد الملك
فأصبحت السند أول ولاية إسلامية في الهند، ثم تطور الأمر لاحقًا إلى نشوء إمارات مستقلة نسبيًا عن الخلافة العباسية، كان أشهرها إمارة ملتان في القرن الثالث الهجري.
ثانيًا: المؤسس ،والحكام الأوائل:
بعد ضعف قبضة العباسيين في الأطراف، ظهرت أسر عربية حكمت المنطقة محليًا، ومن أبرزها:
بنو منبه
وهم أسرة عربية قرشية حكمت ملتان ابتداءً من: 855م تقريبًا
وكان من أبرز حكامها: محمد بن القاسم بن منبه
وقد أسسوا حكمًا محليًا قويًا مع استمرار الاعتراف الاسمي بالخلافة العباسية.
وقد تميز حكام ملتان بالحكمة السياسية؛ إذ جمعوا بين:
الحفاظ على الهوية الإسلامية
إدارة مجتمع متعدد الأعراق
تأمين طرق التجارة
نشر الإسلام بين السكان المحليين.
ثالثًا: لماذا سميت بوابة الإسلام إلى الهند؟
استحقت ملتان هذا اللقب لأسباب عظيمة:
1) أول مركز إسلامي دائم في الهند:
كانت ملتان أول مدينة استقر فيها الحكم الإسلامي طويلًا داخل شبه القارة.
2) قاعدة للدعوة:
خرج منها العلماء ،والدعاة إلى:
البنجاب
كشمير
شمال الهند
3) مركز تجاري عالمي:
ربطت بين:
العراق
خراسان
فارس
الهند
الصين
وكانت القوافل تمر عبرها باستمرار مما ساعد على انتقال الإسلام بالحكمة، والمعاملة.
رابعًا: أهم مقومات الإمارة:
تميزت الإمارة بعدة عناصر جعلتها قوية:
الموقع الاستراتيجي
وقعت على طرق التجارة العالمية القديمة.
الهوية الإسلامية
اعتمدت:
القضاء الإسلامي
اللغة العربية
المساجد
حلقات العلم
الاستقرار السياسي
رغم بعدها عن بغداد استطاعت إدارة شؤونها باستقلال نسبي.
التعايش الحضاري
عاش فيها:
العرب
الفرس
الهنود
السكان المحليون
مما صنع نموذجًا حضاريًا متقدمًا.
خامسًا: أهم أعمالها في خدمة الإسلام:
نشر الإسلام
دخل كثير من أهل المنطقة في الإسلام بسبب:
حسن المعاملة
عدالة الحكم
أخلاق التجار المسلمين
بناء المساجد
أقيمت المساجد الكبرى التي أصبحت مراكز:
عبادة
تعليم
قضاء
إصلاح اجتماعي
حماية الثغور الشرقية
كانت ملتان حصنًا متقدمًا للدولة الإسلامية ضد الغزوات الخارجية.
دعم الحركة العلمية
أصبحت محطة لعلماء الحديث والفقه القادمين من خراسان والعراق.
سادسًا: آثارها ،وثمارها الحضارية:
من أعظم ثمار هذه الإمارة:
ترسيخ الإسلام في الهند
كان وجودها الأساس الذي قامت عليه لاحقًا:
سلطنة دلهي
الدولة الغزنوية
الدولة المغولية الإسلامية
نشر اللغة العربية
أصبحت العربية لغة:
الإدارة
المراسلات
العلوم الشرعية
بناء الهوية الإسلامية المحلية
نشأت مجتمعات مسلمة مستقرة في السند، والبنجاب.
فتح الباب للحضارة الإسلامية
انتقلت إلى الهند:
العلوم
الفلك
الطب
الرياضيات
الفقه
سابعًا: كيف سقطت الإمارة؟:
بدأ الضعف يدب في الإمارة بسبب عدة عوامل:
1) الانقسام الداخلي:
ظهرت صراعات مذهبية، وسياسية أضعفت وحدة الحكم.
2)ضعف الصلة بالخلافة:
البعد الجغرافي عن بغداد جعلها عرضة للاستقلالات المتعددة.
3) الضغط الخارجي:
تعرضت لغزوات متكررة من القوى المجاورة.
4) صعود الدولة الغزنوية:
تمكن السلطان:
محمود الغزنوي
من ضم ملتان سنة 1005م تقريبًا إلى الدولة الغزنوية، فانتهى استقلالها السياسي.
ثامنًا: أسباب سقوطها الحقيقية:
من أهم أسباب السقوط:
النزاع المذهبي
ضعف القيادة
الترف السياسي
تفكك الوحدة
ضعف الاستعداد العسكري
تغير موازين القوى في المنطقة
وهذه سنّة تاريخية: أن الدولة إذا ضعفت رسالتها ضعفت قوتها.
تاسعًا: الدروس المستفادة:
تعلمنا إمارة ملتان أن:
الرسالة تصنع الحضارة
فقد حملت الإسلام إلى أمة كاملة.
الموقع قد يصنع التاريخ
فالموقع الجغرافي كان سر قوتها.
الأخلاق أقوى من السلاح
فكثير من الناس دخلوا الإسلام بالسلوك لا بالقوة.
الوحدة ضرورة للبقاء
فالانقسام كان بداية النهاية.
خاتمة:
رغم أن إمارة ملتان، والسند ليست من أشهر الدول في كتب التاريخ، فإن أثرها كان عظيمًا في تاريخ الأمة، لأنها كانت البوابة الأولى التي دخل منها الإسلام إلى الهند، ومنها انطلقت حضارة امتدت قرونًا طويلة، وما زالت آثارها حاضرة في ملايين المسلمين في شبه القارة الهندية اليوم.
لقد كانت ملتان شاهدًا على أن أمة الإسلام لا تُقاس فقط بحجم جيوشها، بل بقدرتها على تحويل المدن الصغيرة إلى منارات تهدي العالم.
المراجع العربية:
١)حسين مؤنس، أطلس تاريخ الإسلام، القاهرة: الزهراء للإعلام العربي، 1987م.
٢)شوقي أبو خليل، أطلس التاريخ العربي الإسلامي، دمشق: دار الفكر، 2002م.
٣)راغب السرجاني، قصة التتار من البداية إلى عين جالوت، القاهرة: مؤسسة اقرأ، 2006م.
٤)أحمد شلبي، موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1998م.
٥)عبد العزيز سالم، تاريخ المسلمين وآثارهم في الهند، بيروت: دار النهضة العربية، 1993م.


