مقالات

التعليم الياباني وملائمته مع تلاميذ مصر

كتب نصرسلامة 
​
​لا أحد في مصر يُجادل في أن تطوير التعليم ضرورة حياة، ولا يختلف عاقلان على أن المناهج القديمة لم تعد تُسمن ولا تُغني من جوع في عصر الذكاء الاصطناعي والتطور المتسارع. لكن القضية التي تستحق الوقوف عندها والمساءلة الواعية هي: كيف نطور؟ وهل نقل التجارب الناجحة من أقصى الأرض يعني بالضرورة نجاحها في أرضنا؟
​يطالعنا القائمون على إدارة المنظومة التعليمية بين الحين والآخر بافكار واقتراحات جديدة، تستند إلى استيراد أنظمة تعليمية كاملة من دول حققت طفرات مشهودة، وفي مقدمتها النظام الياباني، وخاصة في مراحل التأسيس كالصف الثالث الابتدائي وما قبله.
​والسؤال البسيط الذي يغيب – أو يُغيب – قبل اندفاعنا ونشوتنا بهذه المسميات الأجنبية: هل يصح زرع شجرة يابانية في تربة لم تُهيأ لها بعد؟
​إن عمل مقارنة بسيطة وموضوعية بين واقع المدارس في طوكيو وواقعها في أغلب القرى والمدن المصرية يكشف الفجوة الحقيقية؛ فالنظام الياباني يعتمد في جوهره على “كثافة منخفضة” داخل الفصول، تتيح للمعلم التفاعل الفردي، ومراقبة سلوك كل طفل، وتطبيق أنشطة “التوكاتسو” القائمة على الحركة والمشاركة وتوزيع المهام. أما في فصولنا، حيث يتزاحم عشرات التلاميذ في مساحات ضيقة، فيتحول الحديث عن “الأنشطة اليابانية” إلى مجرد عبء إضافي. 
​علاوة على ذلك، فإن المعلم في اليابان خضع لتأهيل شامل ومستمر، وتتوفر له ظروف عمل تضمن تفرغه لرسالته وتأدية دوره التربوي والتوجيهي. فكيف نطالب معلمنا المحاصر بضغوط واقعية وتحديات لوجستية بتقديم نفس المخرجات، دون أن نوفر له أدوات العمل والتدريب والتفرغ ذاتها؟
​ثم تأتي “الجاهزية التراكمية” للطفل نفسه؛ فالطفل الياباني حين يصل إلى الصف الثالث الابتدائي، يكون قد مر ببيئة منزلية ومجتمعية ومدرسية متكاملة تتناغم مع هذا النظام وتخدم فلسفته. أما نقل التجربة وإسقاطها بشكل مفاجئ على واقع مختلف تراكميًا وثقافيًا، فيخلق صدمة لدى التلميذ والمدرس وأولياء الأمور على حد سواء.
​كلمة أخيرة..
إن العقلانية في إدارة ملف التعليم تتطلب أن نعترف بأن النظام التعليمي لا يُستورد، بل يُبنى.

نقل التجارب دون تهيئة البيئة المحلية كمن يشتري أحدث محرك سيارة ويضعه في هيكل متهالك ثم يتعجب لماذا لا تتحرك!
​المطلوب هو “توطين” التطوير، والبدء بإصلاح الأساسيات: خفض الكثافات، وتأهيل المعلم، وتوفير البنية التحتية، ثم أخذ ما يناسبنا من التجارب العالمية وتكييفه وفق إمكانياتنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى