اتساع رقعة الاحتجاجات في الهند وسط مطالبات باستقالة رئيس لجنة الانتخابات

محمد شعيب
تصاعدت الاحتجاجات في عدد من المدن الهندية، بينها نيودلهي ومومباي وبنغالورو وولاية بيهار، على خلفية اتهامات موجهة إلى لجنة الانتخابات الهندية ورئيسها غيانيش كومار، وسط مطالبات من قوى المعارضة باستقالته. واعتقلت الشرطة زعيم المعارضة البارز راهول غاندي مرتين خلال ثلاثة أيام، فيما نزل مئات النواب المنتمين إلى أحزاب المعارضة إلى الشوارع. كما عاد اليوتيوبر دروف راتهي إلى الهند للمشاركة في الحركة الاحتجاجية.
وتأتي هذه التحركات في ظل اتهامات من أحزاب المعارضة بأن لجنة الانتخابات تتصرف بما يخدم رئيس الوزراء ناريندرا مودي وحزب بهاراتيا جاناتا الحاكم. وتقول المعارضة إن أعداداً كبيرة من المواطنين مُنعوا عمداً من ممارسة حقهم في التصويت، الأمر الذي أسهم، بحسب اتهاماتها، في تمهيد الطريق أمام فوز الحزب الحاكم في الانتخابات.
اعتقال نواب معارضين في نيودلهي
في 7 أكتوبر، تجمع نحو 300 نائب من أحزاب المعارضة في ساحة جانتار مانتار بالعاصمة نيودلهي، مطالبين باستقالة رئيس لجنة الانتخابات غيانيش كومار. واعتقلت الشرطة عدداً من النواب، بينهم زعيم حزب المؤتمر راهول غاندي، عقب التجمع. وكانت الشرطة قد اعتقلت راهول غاندي وشقيقته بريانكا غاندي في اليوم السابق، الموافق 6 أكتوبر.
واتهم راهول غاندي رئيس الوزراء ناريندرا مودي بالوقوف وراء الإجراءات التي تتخذها لجنة الانتخابات. كما تتهم أحزاب المعارضة اللجنة بالإخلال بنزاهة العملية الانتخابية، وبتهيئة الظروف التي تساعد حزب بهاراتيا جاناتا على الفوز، من خلال منع أعداد كبيرة من المواطنين عمداً من الإدلاء بأصواتهم.
حزب «سي جي بي» يحشد أنصاره ودروف راتهي يشارك في الاحتجاجات
في 8 أكتوبر، نظم حزب «سي جي بي» (CJP) تجمعاً في مدينة بنغالورو، شارك فيه اليوتيوبر دروف راتهي، المعروف بإنتاج مقاطع مصورة تنتقد حكومة ناريندرا مودي، وهو ما جعله شخصية تحظى باهتمام واسع.
وكان راتهي يقيم خارج الهند خلال الفترة الماضية، حيث أنتج مقاطع مصورة تناولت حركات احتجاجية مختلفة. غير أن مشاركته في التجمعات الاحتجاجية داخل الهند هذه المرة تمثل، وفقاً للتقرير، أول ظهور له وهو يشارك مباشرة في هذه الاحتجاجات.
ودعا الحزب إلى تنظيم مسيرة باتجاه ساحة جانتار مانتار في نيودلهي يوم 10 أكتوبر. وقال قادته إن المكان الذي ستعتقل فيه الشرطة المحتجين في ذلك اليوم سيصبح، عملياً، بمثابة جانتار مانتار بالنسبة إليهم. كما أعلنت منظمات طلابية يسارية دعمها للحزب.
وخلال مؤتمر صحفي عقده في نادي الصحافة بنيودلهي يوم 6 أكتوبر، قال سوراف داس، أحد قادة الحزب، إن الحركة لن تتوقف حتى لو استقال غيانيش كومار. وأضاف أن الاحتجاجات ستستمر إلى أن تصبح لجنة الانتخابات نزيهة ونظيفة، متهماً اللجنة بأنها أسهمت في بقاء ناريندرا مودي وحكومته في السلطة.
جدل حول آلية تعيين مفوضي الانتخابات
أعادت الاحتجاجات تسليط الضوء على التغييرات القانونية التي طرأت على آلية تعيين مفوضي الانتخابات في الهند.
تأسست لجنة الانتخابات الهندية عام 1950، وكان النظام المعمول به يقضي بأن يتولى رئيس الجمهورية تعيين مفوضي الانتخابات. وظلت هذه الآلية قائمة إلى حد كبير لعقود طويلة من دون تغييرات جوهرية.
لكن في مارس 2023، أصدرت هيئة دستورية مؤلفة من خمسة قضاة في المحكمة العليا الهندية حكماً في قضية «أنوب بارانوال ضد اتحاد الهند» (Anup Baranwal v. Union of India)، قضى بأن يتم تعيين مفوضي الانتخابات بناءً على توصية لجنة تضم رئيس الوزراء وزعيم المعارضة ورئيس المحكمة العليا.
وفي وقت لاحق من العام نفسه، أقر البرلمان الهندي، بمبادرة من حكومة حزب بهاراتيا جاناتا، قانوناً غيّر آلية التعيين مجدداً. ووفقاً للنظام الجديد الوارد في التقرير، تتكون لجنة الاختيار من رئيس الوزراء ووزير في مجلس الوزراء الاتحادي وممثل عن المعارضة.
وترى قيادات المعارضة أن هذا الترتيب يمنح الحكومة ممثلين اثنين في اللجنة مقابل ممثل واحد للمعارضة، الأمر الذي يرجح كفة الحكومة عند اختيار مفوضي الانتخابات ويثير مخاوف بشأن استقلالية اللجنة وحيادها.
أكاديمي يتوقع احتمال تصاعد الاحتجاجات
قال الدكتور محمد عين الإسلام، أستاذ العلوم السياسية بجامعة دكا، إن انضمام حزب «سي جي بي» إلى تحركات 10 أكتوبر قد يمنح الاحتجاجات زخماً إضافياً.
وأضاف أن عجز الحكومة عن احتواء المظاهرات قد يؤدي إلى تصاعد الضغوط المطالبة باستقالة رئيس لجنة الانتخابات، غير أن ذلك سيعتمد على المسار الذي ستتخذه الحركة خلال الأيام المقبلة.
وشهدت الهند، في عهد حكومة حزب بهاراتيا جاناتا بقيادة ناريندرا مودي، احتجاجات واسعة، من بينها حركة احتجاج المزارعين والاحتجاجات الرافضة لقانون تعديل المواطنة (CAA). وفي بعض الحالات، اضطرت الحكومة إلى الاستجابة لمطالب المحتجين. غير أن تلك التحركات كانت تستهدف سياسات حكومية بصورة مباشرة، بينما تتركز الاحتجاجات الحالية على لجنة الانتخابات.
ويرى الدكتور عين الإسلام أن النظام الاتحادي في الهند يجعل سقوط الحكومة نتيجة مباشرة لهذه الاحتجاجات أمراً غير مرجح. لكنه اعتبر أن الحركة تحمل رسالة مهمة إلى حكومة مودي، مفادها أن أداء الحكومة في مجالات تشمل الانتخابات والتعليم لا يلبي تطلعات المواطنين.
وأشار أيضاً إلى أن محاولات الحكومة احتواء الاحتجاجات باستخدام الشرطة وقوات الأمن لم تنجح في إنهائها بالكامل، ما يضع الحكومة تحت ضغط سياسي متزايد.
أزمة ثقة في المؤسسات الدستورية
وأوضح الدكتور عين الإسلام أن الاحتجاجات تبعث برسالة إلى الرأي العام مفادها أن مؤسسات حكومية، من بينها لجنة الانتخابات، قد لا تتصرف بحياد واستقلالية.
وأضاف أن الهند اعتادت الاعتزاز بمؤسساتها الدستورية، غير أن الاتهامات الموجهة إلى لجنة الانتخابات بمساعدة الحكومة أدت إلى إثارة تساؤلات جدية بشأن الثقة العامة بهذه المؤسسات.
وبذلك، لم تعد الحركة الاحتجاجية مقتصرة على المطالبة باستقالة رئيس لجنة الانتخابات، بل اتسع نطاقها ليشمل نقاشاً أوسع بشأن حياد المؤسسات الدستورية ونزاهة الانتخابات ومساءلة الحكومة.
وستحدد الأيام المقبلة مدى اتساع الاحتجاجات، وطبيعة استجابة حكومة مودي لها، وحجم الضغوط التي ستتمكن قوى المعارضة من فرضها على الحكومة.


