
بقلم/ نور السيد سليط
يقول: ما أعظمه شعوراً حين انتهي من مدارسة كتاب!
من أجمل اللحظات التي تمر علينا هي تفوقنا في طلب العلم واستطاعتنا اجتياز مرحلة تلو مرحلة فيه ننتهل منه ما يقربنا من الله وما يقوى علاقتنا بخالقنا، وهنا كل العلم طلبه خير ولكن مقالي خصيصا لطلب العلم الشرعي الصحيح الذي هو كرامة لمتعلمه وتاج يجب علينا جميعاً أن نصارع لأن نلبسه.
كرم النبي العلم وزكى العلماء، والقرآن الكريم بين الله فيه فضل العلم وكرامة العلماء في كثير من المرات وقد ورد عن المصنف رحمة الله تعالى عليه أنه تحدث عن فضل طلب العلم وقد أجمل الفضل في مسألتين إثنين وهما:
_ فضائل طلب العلم
فمن نظر في الفضائل التي يعدها الله لطالب العلم دنيا وآخرة تحركت همته إلى مدارسة العلم؛ طمعا في ثواب الآخرة والحياة الطيبة في الدنيا.
_أن يدمن الطالب النظر في سير الآخرين من حاملين العلم وأهله
فإن المرء إذا أدمن النظر في سيرهم تحركت نفسه للإقتداء بهم فإن المحب للصالحين تحركه نفسه لأن يكون مثلهم وأن يكون كما كانوا عليه؛ لأن هذا يهون عليه كثيرا غربته التى يلقاها في نفسه تجاه الخلق الذين يعيشون معه.
وتعجبني مقولة لابن القيم حين قال: إذا رأيت غربتك في الطريق فإنظر إلى السابقين من الأنبياء والعلماء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
“وتذكر دائماً أن المتشبه بالكرام على فلاح”
إذا كانت الدنيا كلها ضباب ولم تعد الرؤية واضحة وأصبح الباطل معلن، والحق يخاف أصحابه الإفصاح عنه فهنا عليك أن تكون لك وجهة تسعى إليها أن تذاكر وتدرس سير الأنبياء الصحابة والتابعين الصالحين وحسن أولئك رفيقا، فهنا عندما تعلم من قدوتك وتعلم نتاج فعلك وأنه هو طريق النجاة في الدنيا والسعادة في الدنيا والآخرة تطمئن القلوب الصالحة لأنها تعلم ما ينتظرها في الآخرة إن أخلصت العمل، وتعلم أن الله جواد كريم معطاء دوماً يكافىء المرء على طريقه الطويل الذي سلكه إليه بأن تكون بدايته بالغربة والوحشة ونهايته بالسعادة وصلاح أمر الدنيا قبل الآخرة.
سنسئل عن أعمارنا والله لنسأل فيما ضاع العمر؟ فيما انقضى؟
بالله أجبني فيما ضاع عمرك ؟ فيما تقضى وقت فراغك ؟ هل تستغل وقتك كله بصورة سليمة لأن سألك الله عنه تستطيع أن تجيب؟ أترضيك إجابتك وقتها؟
وهنا أود التنويه لأمر في غاية الضرورة وهو حديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه : (اغتنِمْ خمسًا قبل خمسٍ : شبابَك قبل هَرَمِك، وصِحَّتَك قبل سَقَمِك، وغناك قبل فقرِك، وفراغَك قبل شُغلِك، وحياتَك قبل موتِك) خلاصة حكم المحدث : [إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما] | التخريج : أخرجه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل))
أنت الآن يحتمل وقتك الفراغ لما تقضيه في مشاهدة وسماع ما لا يزيد من رصيدك عند الله، ولا يقربك منه “ويا حسىرتااه إن كان يضيع الكنز في حرام”
وبالله إن الفراغ سلاح ذو حدين جيد عند من يحسن استغلاله ووبال على من يجعله محاربة للحق أو مجلبة للمعاصي.
لذلك يا عبد الله إذا أردت الإنتهال من العلم فاستعن بالله وابدأ، لا تنتظر أن تخسر الخمس لتندم على ضياع الفرص، خاسر من حظي بفراغ وصحة وانقضى دوامهم هباءا؛ لأنهم حتما سيزولا لذلك استغلهم الآن وكن فطن يا عبد الله.
فقد كان الإمام ابن عقيل وتلميذه الإمام ابن الجوزي لا يضيعون شيئا من أعمارهم وقد ورد عن ابن عقيل أنه قال إني لأختار سف الكعك وتحثيه بالماء على الخبز لأجل ما بينهما على التفاوت في المضغ.
أي يقوم الشيخ بتناول الكعك المطحون وشرب معه ماء حتى لا يضيع الوقت في مضغ رغيف خبز، هذا كان حرصهم على ألا يضيعوا أوقاتهم فأين نحن يا عباد الله، تضيع ساعتنا وأيامنا وأسابيع تليها شهور ما أحرزنا خيرا ما أحرزنا الا ضياعا لإوقاتنا فيا حسرة علينا حينها.
قد تلقيت محاضرة للشيخ حازم شومان يتحدث فيها عن طلب العلم فذكر قصة موسى عليه السلام مع الخضر حينما أراد أن يكون موسى معه طالبا للعلم، ذكر الشيخ أن الشيطان لم يذكر في السورة اي سورة الكهف إلا في تلك المرة وهي طلب العلم؛ فطلب العلم ينقل صاحبه إلى المعالي وهو اصطفاء من رب العالمين فالشيطان لا يريدك أن تطلب علم لانه يعلم الفارق الذي سيحدث في نفسيتك وحياتك وعلاقتك بربك ما أن تتعلم علما نافعاً بالطبع ستكون أفضل بكثير.
“”طلب العلم يقويك على أن تنصر دين الله فأين المشمرين “
وقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [فاطر:28]
وهنا ثناء من المولى سبحانه وتعالى على العلماء ليبين عظيم منزلتهم وعظيم فضلهم على الناس، والمراد بالعلماء علماء الشريعة علماء القرآن والسنة الذين يخافون الله ويراقبونه هم المراد هنأ { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ} [فاطر:28] يعني: الخشية الكاملة، خشيتهم أفضل وأكمل من خشية غيرهم، وإلا فكل مؤمن يخشى الله، كل مسلم يخشى الله، لكنها تتفاوت نسب التقوى، ليست خشية العلماء المتبصرون علماء الحق علماء الشريعة ليست خشيتهم مثل خشية عامة المسلمين، بل هي أكمل.
وقد قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }(11)
يرفع الله المؤمنين منكم أيها القوم الذين أوتوا العلم من أهل الإيمان على المؤمنين، الذين لم يؤتوا العلم بفضل علمهم درجات، إذا عملوا بما أمروا به فلا شك أن تتعلم العلم الشرعي فذلك من أعظم القربات التي تقودنا إليه سبحانه.
وعن أَبي سعيد الخدري قال: (خَرج معاوِيَة عَنْهُ علَى حَلْقَةٍ في المسْجِدِ، فَقَالَ: مَا أَجْلَسكُمْ؟ قالُوا: جلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّه. قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسكُم إِلاَّ ذَاكَ؟ قالوا: مَا أَجْلَسنَا إِلاَّ ذَاكَ، قَالَ: أَما إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُم تُهْمةً لَكُم وَمَا كانَ أَحدٌ بمنْزِلَتي مِنْ رسُولِ اللَّهِ ﷺ أقلَّ عنْهُ حَدِيثًا مِنِّي: إِنَّ رسُول اللَّهِ ﷺ خرَج علَى حَلْقَةٍ مِن أَصحابِه فَقَالَ: مَا أَجْلَسكُمْ؟ قالوا: جلَسْنَا نَذكُرُ اللَّه، ونحْمدُهُ علَى ماهَدَانَا لِلإِسْلامِ، ومنَّ بِهِ عليْنا. قَال: آللَّهِ مَا أَجْلَسكُمْ إِلاَّ ذَاكَ؟ قالوا: واللَّه مَا أَجْلَسنا إِلاَّ ذَاكَ. قالَ: أَما إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهمةً لكُمْ، ولِكنَّهُ أَتانِي جبرِيلُ فَأَخْبرني أَنَّ اللَّه يُباهِي بِكُمُ الملائكَةَ) _ رواهُ مسلمٌ_
وهذا يحدث في كل حلقات الذكر التي يبغي فيها العبد رضى الله سبحانه وتعالى سواء كانت حلقات مدارسة علوم شرعيه تجويد أو تحفيظ قرآن، كلها حلقات مباركة يمن بها الله على عباده الصالحين بأن تحفهم الملائكة فرحين بصنيع هؤلاء العباد الذي يرضي الله سبحانه وتعالى.
سأذكر لكم أحبتي أحاديث أخرى تقودنا للعلم تفقها حضوراً ومدارسة من أعماق قلوبنا وأفئدتنا.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال (فضلُ العالمِ على العابِدِ ، كفَضْلِي علَى أدناكم ، إِنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ وملائِكتَهُ ، و أهلَ السمواتِ والأرضِ ، حتى النملةَ في جُحْرِها ، وحتى الحوتَ ، ليُصَلُّونَ على معلِّمِ الناسِ الخيرَ)
خلاصة حكم المحدث : صحيح | التخريج : أخرجه الترمذي.
وعنه ﷺ أنه قال : «مَنْ سَلَكَ طَريقا يَبْتَغي فيه عِلْما سَهَّل الله له طريقا إلى الجنة،
وإنَّ الملائكةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتها لطالب العلم رضًا بما يَصنَع، وإنَ العالم لَيَسْتَغْفِرُ له مَنْ في السماوات ومَنْ في الأرض حتى الحيتَانُ في الماء،
وفضْلُ العالم على العَابِدِ كَفَضْلِ القمر على سائِرِ الكواكب، وإنَّ العلماء وَرَثَة الأنبياء، وإنَّ الأنبياء لم يَوَرِّثُوا دينارا ولا دِرْهَماً وإنما وَرَّثُوا العلم، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بحَظٍّ وَافِرٍ».
[حسن] – [رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارمي وأحمد]
4- وعن سهل بن سعد أن النبيﷺ قال لعلي :( فو اللَّهِ لأنْ يهْدِيَ اللَّه بِكَ رجُلًا واحِدًا خَيْرٌ لكَ من حُمْرِ النَّعم) _متفق عليه_



