بدايةً، نتقدم بخالص العزاء والمواساة لأسرة الطالبة التي فقدت حياتها في واقعة مؤلمة داخل إحدى الكليات الأهلية، ونسأل الله أن يرحمها ويلهم أهلها الصبر والسلوان.
لكن بعيدًا عن تفاصيل الواقعة والتحقيقات، فإن ما حدث يجب ألا يمر علينا باعتباره مجرد حادث فردي، بل يجب أن يكون جرس إنذار حقيقيًا يدفعنا إلى مراجعة منظومة التعليم بأكملها.
نحن أمام قضية أكبر من واقعة خلاف بين طالبة ومراقب، وأكبر من سؤال: هل حدث غش أم لم يحدث؟
القضية هي: إلى أين نذهب بالتعليم في مصر؟
لدينا ما يُسمى بـ”كليات القمة”، وعلى رأسها الطب والهندسة والتخصصات التي ترتبط بصورة مباشرة بصحة المواطن وبناء الدولة. وهذه التخصصات تحديدًا تحتاج إلى معايير صارمة جدًا في اختيار الطلاب، لأن تخريج طبيب أو مهندس ليس مجرد منح شهادة، وإنما صناعة إنسان سيتحمل مسؤولية حياة الناس ومقدرات الوطن.
ومن هنا يجب أن نسأل بكل وضوح:
هل المال وحده يمكن أن يكون معيارًا للالتحاق بهذه الكليات؟
أنا مع التعليم الأهلي والاستثمار في التعليم، ولكنني ضد أن يتحول التعليم إلى سلعة تُباع لمن يملك القدرة على الدفع، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتخصصات تحتاج الدولة إلى خريجيها وفق احتياجات حقيقية ومدروسة.
كما أننا في حاجة ماسة إلى تغيير ثقافة المجتمع تجاه ما يسمى “كليات القمة”.
الالتحاق بكلية الطب أو الهندسة لا يعني أن صاحبها أفضل من غيره، كما أن عدم الالتحاق بها لا يعني أن الطالب أقل قيمة أو قدرة.
المجتمع يحتاج إلى الطبيب، لكنه يحتاج أيضًا إلى المعلم، والمهندس، والمحاسب، والمبرمج، والفني، والباحث، والحرفي، وكل صاحب مهنة يتقن عمله.
النجاح ليس اسم الكلية على الشهادة… النجاح فيما تصنعه بعد التخرج.
وفي المقابل، أصبح الغش في بعض البيئات التعليمية ظاهرة تحتاج إلى مواجهة حقيقية، كما أصبحت فكرة “أنا دافع فلوس إذن من حقي أن أنجح” ثقافة خطيرة يجب أن نتصدى لها بكل قوة.
التعليم ليس مجرد خدمة يحصل عليها الطالب مقابل المال.
التعليم مسؤولية وطنية، والجامعة ليست مصنعًا لإنتاج الشهادات.
لذلك أعتقد أننا أمام ضرورة حقيقية لفتح حوار مجتمعي واسع حول مستقبل التعليم الأهلي في مصر، ومعايير الالتحاق بالكليات التخصصية، وضوابط التقييم والامتحانات، وعلاقة التعليم باحتياجات سوق العمل وخطط الدولة.
لأن الخطورة الحقيقية ليست فقط في حادث مؤلم وقع لطالبة…
الخطورة أن نصل إلى جيل يعتقد أن مستقبله يُشترى بالمال، وأن قيمة الإنسان تُحدد باسم الكلية التي التحق بها.
وإذا كان ما حدث سيكون بداية لمراجعة حقيقية وجادة لمنظومة التعليم، فليكن هذا الحادث المؤلم نقطة انطلاق نحو إصلاح حقيقي، لا مجرد خبر نتناقله أيامًا ثم ننساه.