مقالات

يوم النصر وطوفان نوح

بقلم: د. غادة محمد عبد الرحمن 

نحتفل هذه الأيام بالذكرى الـ ٥٣ لانتصار أكتوبر العظيم الذي كان بمثابة طوفان جاء ليقضي على آثار الاحتلال والظروف القاسية التي عاشها الوطن، ويطهر الأرض من دنس الصهاينة المجرمين، ويقدم رداً حاسماً على كل المشككين في مقدرة الجندي المصري على عبور القناة واسترداد أرض الآباء والأجداد، ليتشابه في ذلك بطوفان سيدنا نوح الذي جاء ليقضي على الشرك بالله، ويطهر الأرض من الذنوب والآثام، ويثبت للكفار ضلال معتقداتهم، وإن سيدنا نوح وأصحابه من المؤمنين، الذين كثيراً ما آذوهم وسخروا منهم على الحق المبين.

حيث كانت مصر على موعد مع المستحيل الذي تحقق مع شروق فجر يوم السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣م، عندما فار التنور فانطلقت أسراب النسور تحلق في السماء لتعانقها التكبيرات المنبعثة من الحناجر وعزفا معاً سمفونية فريدة قذفت الرعب في قلوب أحفاد القردة والخنازير وزلزلت الأرض تحت أقدامهم، ثم تعلن القناة عن عبور خير أجناد الأرض ساحقين كل السيناريوهات التعجيزية المحتملة، وذلك في مشهد مهيب اكتملت أركانه مع الحصن الأكذوبة أو ما عُرف بخط بارليف الذي وصفه الصهاينة بالخط المنيع الذي لا يمكن تحطيمه أو اختراقه، والذي تساقط مع أول قطرة ماء انهمرت عليه، وتساقطت معه أكذوبة الجيش الذي لا يقهر عندما انتشر جنودنا البواسل على أرض الفيروز التي صبغت باللون المموه، لترسو سفينة الوطن بسلام على جبل الحرية والكبرياء.

فما حدث في ذلك اليوم لم يكن انتصاراً عادياً أدى إلى استرداد قطعة عزيزة من أرض الوطن وحسب، بل كان يوماً لتجديد الثقة في النفس وإثبات القدرة على تجاوز الصعاب وصناعة المعجزات، وذلك بعد ست سنوات عجاف من التشكيك والريبة والحيرة بين سراديب المجهول، والتيه بين دروب الغد الغامض.

كان يوماً استثنائياً شهد على إبرام وثيقة الشرف التي سُطرت بأطهر الدماء ووقعت بأغلى الأرواح من الذين أبوا أن يتهمهم البعض بالتفريط في الأرض والكرامة أو أن يُذكروا في التاريخ بجيل الهزيمة، وإصرارهم على رد الاعتبار واستعادة ما ضاع مهما كلفهم الأمر من تضحيات، فسُجلت أسماؤهم في أزهى صفحات التاريخ تحت عنوان جيل العبور العظيم، وأصبحوا الجيل الذي أهدى الوطن قُبلة الحياة فبُعثت فيه الروح من جديد، لتولد الأجيال المتعاقبة على أرض حرة ووطن ينعم بالكرامة والشموخ.

وفي النهاية، وبعد أن عجزنا عن التعبير عن عظمة هذا اليوم وأبطاله النبلاء، وعمَّا يجول بداخلنا من مشاعر متدفقة إعجاباً بيوم النصر وعشقاً لأبطاله، لا يسعنا إلا التقدم بأسمى آيات الشكر والعرفان ليوم السادس من أكتوبر وأبطاله الشرفاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى