خروج الإمارات من أوبك: ما مستقبل الإمارات في عصر ما بعد النفط؟

محمد شعيب
إن التاريخ يتذكر دائماً تلك الدول التي استطاعت تحويل ثرواتها إلى قوة لبناء المستقبل. في أكتوبر/تشرين الأول 2017، قامت دولة الإمارات العربية المتحدة، ولأول مرة في التاريخ، بتعيين وزير للذكاء الاصطناعي، وهو معالي عمر سلطان العلماء، في وقت لم يكن فيه معظم الناس في العالم قد تعرّفوا بعد على هذه التقنية. أما في دول مثل بنغلاديش، فلم يبدأ الناس بالتعرف تدريجياً على تقنيات الذكاء الاصطناعي إلا بعد عام 2021. إن إدراك التأثير المستقبلي لهذه التقنية في وقت مبكر يعكس بلا شك حكمة القيادة وبعد نظرها. وعندما عيّنت الإمارات وزيراً للذكاء الاصطناعي، كان عمره 27 عاماً فقط. وقد صرّح لاحقاً لمجلة “التايم” بأن مسؤولاً غربياً علّق خلال أحد الاجتماعات قائلاً: “إن وجود وزير ذكاء اصطناعي يبلغ من العمر 27 عاماً ويتولى إدارة التقنيات الافتراضية، يثبت أن حكومتكم لا تعاني من نقص في الوقت ولا في الموارد”.
ولم تكتفِ الإمارات في عام 2017 بتعيين وزير للذكاء الاصطناعي، بل أطلقت رسمياً في عام 2019 “استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031”، التي تهدف إلى دمج الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، مثل الصحة والتعليم والطاقة والنقل والفضاء والخدمات الحكومية.
وبعد تسع سنوات، أصبحت الإمارات تعرض أمام العالم بنية تحتية ضخمة للذكاء الاصطناعي، حيث يجري في أبوظبي إنشاء مجمع للذكاء الاصطناعي بقدرة 5 غيغاواط، يُعد الأكبر خارج الولايات المتحدة. ويشارك في هذا المشروع كل من OpenAI وNVIDIA وOracle وCisco وSoftBank. ومن المقرر تشغيل المرحلة الأولى منه في عام 2026.
وفي الوقت نفسه، وصلت أول شحنة من رقائق إنفيديا المتطورة إلى البلاد بعد موافقة البيت الأبيض. كما توجد خطط لاستثمار أكثر من 1.4 تريليون دولار في قطاعات التكنولوجيا المستقبلية.
ولا يقتصر هذا التقدم على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمثل محاولة لبناء منظومة تكنولوجية متكاملة، تعمل فيها الأبحاث والبنية التحتية والسياسات والموارد البشرية بصورة مشتركة.
وفي عام 2019، أسست الإمارات جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، وهي أول جامعة في العالم مخصصة بالكامل لأبحاث الذكاء الاصطناعي والدراسات العليا فيه. وبعد ذلك، طورت الدولة نماذجها التقنية الخاصة مثل “Falcon” و“Jais”، اللذين حققا مواقع متقدمة في التصنيفات العالمية للذكاء الاصطناعي.
وقد قامت شركة G42 بالتعاون مع Cerebras بتطوير نموذج “Jais”، وهو نموذج لغوي ضخم ثنائي اللغة بالعربية والإنجليزية، ويُنظر إليه بوصفه تقدماً مهماً في تطوير الذكاء الاصطناعي باللغة العربية.
كما استثمرت Microsoft وحدها 15.2 مليار دولار في الإمارات بحلول عام 2026، شملت توسيع خدمات الحوسبة السحابية ومراكز البيانات، إلى جانب استثمارات كبيرة في شركات تقنية مثل G42.
وبفضل هذا التقدم، صنف Atlantic Council الإمارات باعتبارها “قوة متقدمة في الذكاء الاصطناعي”.
ووفقاً لقرارات سياسية حديثة، وجّه رئيس الدولة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان حفظه الله تعالى ورعاه بتحويل 50 بالمئة من الخدمات الحكومية إلى أنظمة ذكاء اصطناعي مؤتمتة خلال عامين. وفي الوقت نفسه، قال حاكم دبي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حفظه الله تعالى ورعاه إن الذكاء الاصطناعي سيكون “شريكاً تنفيذياً” للحكومة، بما يسهم في تحسين اتخاذ القرار وتطوير الخدمات.
وتشير التقارير إلى أن نحو 70 بالمئة من القوى العاملة في الإمارات تستخدم حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي، وهي النسبة الأعلى عالمياً.
وفي عام 2015، قال الشيخ محمد بن زايد: “بعد خمسين عاماً سنحتفل بتصدير آخر برميل نفط”. وفي عام 2026، خرجت الإمارات من OPEC، وأصبحت أكثر من 77 بالمئة من اقتصادها تعتمد على القطاعات غير النفطية.
وحالياً، يأتي الجزء الأكبر من الناتج المحلي الإجمالي للإمارات من قطاعات غير نفطية، وعلى وجه الخصوص: التكنولوجيا، والسياحة، والطيران، والخدمات المالية، والخدمات اللوجستية، والطاقة المتجددة.
أي إن الدولة استثمرت الأموال التي حصلت عليها من بيع النفط في بناء اقتصاد مستقبلي قائم على المعرفة.
واليوم، تستخدم الإمارات النفط لبناء المستقبل، وهذا المستقبل هو اقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا.



