أسرة

كيف تتحول المشكلات الأسرية إلى معاناة نفسية وجسدية لدى الأطفال؟

عبير عاطف 

عندما يسألك أحدهم: هل تحب طفلك
ستجيب بلا تردد: نعم، بل هو أغلى ما أملك.
فإذا سألك: وكيف تُظهر له هذا الحب؟
قد تجيب: أوفّر له حياة كريمة… أطعمه جيدًا، أوفر له مسكنًا مناسبًا، أحرص على تعليمه في أفضل المدارس، أوفر له احتياجاته، وأهتم بمستقبله، أسعى لأن يمارس الرياضة ويتم أمور دينه ويعيش حياة أفضل.
لكن ماذا لو كان السؤال الأصعب:
هل تحبه لدرجة أنك تتسبب في ألمه؟
قد يبدو السؤال صادمًا… فكيف يمكن لأب أو أم يحبون أبناءهم أن يكونوا سببًا في معاناتهم؟
الحقيقة أن الأمر لا يتعلق بقلة الحب، فكثير من الآباء والأمهات يحبون أبناءهم بصدق، لكنهم قد لا يدركون أن الطفل لا يتأثر فقط بما نقدمه له من احتياجات مادية، بل يتأثر أيضًا بالمناخ العاطفي الذي يعيش داخله.
فالبيت الذي تكثر فيه الصراعات، أو يسوده التوتر والخوف، قد يصبح مصدر ضغط نفسي على الطفل، حتى لو لم يكن طرفًا مباشرًا في الخلافات. فالطفل يلتقط نبرة الصوت، ونظرات الغضب، والبرود العاطفي، والشعور بعدم الاستقرار، وقد يحتفظ بكل ذلك داخله لأنه لا يملك دائمًا القدرة على التعبير عنه.
وهنا يبدأ الجسد أحيانًا في الحديث.
توضح دراسات علم النفس الصحي أن الضغوط النفسية المستمرة قد تؤثر في الجهاز العصبي والمناعي، وقد ترتبط بظهور أعراض جسدية لدى بعض الأطفال أو زيادة حدتها، خاصة لدى الأطفال الذين لديهم استعداد بيولوجي لبعض المشكلات الصحية.
ومن أبرز الأعراض النفسجسمية التي قد تظهر لدى الأطفال:
آلام البطن الوظيفية المتكررة، حيث يشعر الطفل بآلام حقيقية دون وجود سبب عضوي واضح، وقد ترتبط بالقلق أو الضغوط النفسية.
الصداع المتكرر، خاصة المرتبط بالتوتر والإجهاد العاطفي.
اضطرابات النوم، مثل صعوبة النوم، الاستيقاظ المتكرر، الأحلام المزعجة أو الخوف أثناء النوم.
اضطرابات الشهية، سواء فقدان الشهية أو الإفراط في تناول الطعام كرد فعل للضغط النفسي.
الأمراض الجلدية.
كما قد يؤدي التوتر المستمر إلى زيادة حدة بعض الأمراض الجلدية لدى الأطفال الذين لديهم استعداد لها، مثل الإكزيما أو الشرى (الأرتكاريا)، فالحالة النفسية لا تُنشئ المرض من العدم، لكنها قد تؤثر في شدته ومساره.
ولا يقتصر تأثير المشكلات الأسرية على الجسد فقط، فقد يظهر في صورة معاناة نفسية، مثل اضطرابات القلق، حيث يعيش الطفل حالة مستمرة من الخوف وعدم الأمان، أو الاكتئاب الذي قد يظهر في صورة فقدان الاهتمام باللعب، الانسحاب، الحزن المستمر، وتغير السلوك.
وقد تظهر أيضًا اضطرابات سلوكية مثل العدوانية، سرعة الغضب، العناد الشديد، أو صعوبة الالتزام بالقواعد، إضافة إلى ضعف تقدير الذات، والشعور بعدم القيمة، وصعوبات التركيز والتعلم.
تشير أبحاث “خبرات الطفولة السلبية” (Adverse Childhood Experiences) إلى أن التعرض المستمر للضغوط الشديدة، مثل الصراعات الأسرية المتكررة، الإهمال العاطفي أو فقدان الشعور بالأمان، قد يرتبط بزيادة مخاطر المشكلات النفسية والصحية في مراحل لاحقة من العمر.
لكن الرسالة ليست اتهام الآباء والأمهات أو تحميلهم الذنب، فالجميع يمر بضغوط وقد يخطئ، وإنما الهدف هو الوعي بأن الطفل لا يحتاج فقط إلى الطعام والتعليم والرعاية المادية، بل يحتاج أيضًا إلى بيت يشعر فيه بالأمان، وإلى علاقة تمنحه الطمأنينة والاحتواء.
فأحيانًا لا يكون علاج الطفل في الدواء فقط… بل في تغيير البيئة التي يعيش فيها.
فأقل ما يحتاجه الطفل من أسرته ليس بيتًا بلا خلافات، فهذا أمر غير واقعي، لكنه يحتاج بيتًا يعرف فيه الكبار كيف يختلفون دون أن يدفع الصغار الثمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى