
كتب / عبير عاطف
لم يعد تراجع الإقبال على الزواج في مصر مجرد ظاهرة عابرة أو انطباع اجتماعي، بل أصبح مؤشرًا على تحوّل عميق في نظرة الشباب لمؤسسة الزواج نفسها. فبين الضغوط الاقتصادية المتصاعدة، وتعقيدات الواقع الاجتماعي، وتراكم المخاوف من التبعات القانونية للانفصال، بدأ كثير من الشباب يعيدون حساباتهم قبل الإقدام على خطوة الزواج.
وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى ارتفاع متوسط سن زواج الرجال إلى نحو 30–32 عامًا، وهو رقم يكشف بوضوح حالة “التأجيل المزمن” للزواج، إلى جانب تراجع نسبي في معدلات الزواج مقارنة بالنمو السكاني، بما يعكس تغيرًا في أولويات الجيل الجديد، لا مجرد ظرف اقتصادي مؤقت.
لكن الأزمة أعمق من القدرة المادية وحدها؛ إذ أصبح الزواج يُنظر إليه لدى شريحة من الشباب باعتباره التزامًا طويل المدى عالي المخاطر، وليس شراكة مستقرة قابلة للاستمرار.
من “بيت” إلى “ملف قانوني مفتوح”
في الماضي، كان الزواج مشروع حياة يقوم على المودة والاستقرار الاجتماعي، أما اليوم فبدأ يتحول في الوعي الجمعي إلى “منظومة حقوق والتزامات معقدة”، تتداخل فيها النفقة، والحضانة، والاستضافة، ومسارات التقاضي الطويلة في حال الانفصال.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل ساهمت فيه صورة ما بعد الطلاق كما تُعرض اجتماعيًا وقانونيًا، حيث يشعر بعض الرجال أن خروجهم من العلاقة الزوجية لا يعني نهاية المسؤولية، بل بداية سلسلة طويلة من الالتزامات المادية والقيود الأسرية، مع تراجع واضح لدورهم التربوي المباشر في حياة الأبناء.
دور قانون الأحوال الشخصية في تعميق حالة القلق
لا يمكن تجاهل أن النقاشات المستمرة حول قانون الأحوال الشخصية ومقترحاته، ساهمت في تعزيز هذا الشعور بالحذر لدى الشباب.
فالتوسع في تنظيم ما بعد الطلاق—من نفقة، ومسكن، واستضافة، وتنظيم الرؤية—رغم أنه يستهدف حماية الأسرة، إلا أنه في الوعي الاجتماعي عند فئة من الشباب أصبح مرتبطًا بصورة “المسؤولية الممتدة غير المنتهية”، وهو ما يخلق شعورًا بأن الزواج قد يحمل تبعات قانونية طويلة حتى بعد انتهائه.
ومع غياب خطاب متوازن يشرح الحقوق والواجبات للطرفين بشكل متساوٍ، نشأ لدى البعض إحساس بأن المنظومة تميل إلى طرف على حساب آخر، وهو ما يضعف الدافعية النفسية للزواج، أو يدفع بعض الشباب لتأجيله لفترات أطول.
من الأزمة الاقتصادية إلى الأزمة النفسية
الأخطر أن المشكلة لم تعد مالية فقط؛ بل أصبحت نفسية واجتماعية في الأساس.
فالشاب اليوم لا يفكر فقط في تكلفة الزواج، بل في “تكلفة الاستمرار” و“تكلفة الانفصال” و“تكلفة فقدان الأبوة” إذا حدث خلاف. هذا النوع من الحسابات لم يكن حاضرًا بهذه القوة في الأجيال السابقة، ما يعكس تغيرًا عميقًا في تصور الأمان الأسري.
كيف تستعيد الدولة ثقة الشباب في الزواج؟
استعادة الثقة لا تتحقق بتسهيل الزواج فقط، بل بإعادة تعريف معنى “الأمان الأسري” نفسه، من خلال:
تحقيق توازن حقيقي في الخطاب والقانون بين حقوق وواجبات الطرفين دون انحياز أو شعور بالتهديد.
تعزيز ثقافة الإصلاح الأسري قبل الطلاق بدل تحويل الانفصال إلى المسار الأسرع.
تقوية برامج التأهيل قبل الزواج نفسيًا وقانونيًا واقتصاديًا.
إعادة الاعتبار لدور الأب التربوي وليس المالي فقط داخل منظومة الأسرة.
تطوير خطاب إعلامي وتربوي يعيد للزواج صورته كـ”شراكة حياة” لا “ملف نزاع محتمل”.
فالأسرة ليست عقدًا قانونيًا فقط، بل هي منظومة استقرار نفسي وتربوي. وإذا تحولت في وعي الشباب إلى مشروع غير مضمون النتائج، فإن المجتمع كله سيدفع ثمن هذا التحول على المدى الطويل، لا الأفراد وحدهم.



