Uncategorized

الأحزاب في الشارع.. حين تصبح السياسة قريبة من الناس

 

بقلم أشرف ماهر ضلع 

حين يطلب الرئيس من الأحزاب السياسية أن تكون حاضرة في الشارع، فالأمر لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد دعوة إلى زيادة الفعاليات أو تكثيف اللقاءات الجماهيرية، وإنما باعتباره رسالة أوسع تتعلق بدور الحزب السياسي في المجتمع، وبالعلاقة التي ينبغي أن تجمع بين المواطن والعمل العام.

 

فالسياسة لا تعيش داخل مقرات الأحزاب وحدها، ولا تصنعها الاجتماعات المغلقة والبيانات الرسمية، وإنما تبدأ من الشارع؛ حيث المواطن بمشكلاته وتطلعاته وأسئلته، وحيث تتشكل الصورة الحقيقية لما يحتاجه المجتمع.

 

من المقر إلى الشارع

 

الحزب السياسي الذي يريد أن يكون فاعلا عليه أن يعرف الناس قبل أن يتحدث باسمهم. أن يستمع إلى العامل والفلاح والشاب والمرأة وأصحاب المشروعات الصغيرة، وأن يقترب من تفاصيل حياتهم اليومية، لا أن يكتفي بنقل صورة عامة عن المجتمع.

 

ومن هنا تكتسب الدعوة إلى التواجد في الشارع أهميتها؛ لأنها تعيد تعريف العمل الحزبي باعتباره تواصلا ومسؤولية ومشاركة، وليس مجرد عضوية وهيكل تنظيمي.

 

المواطن هو نقطة البداية

 

التواجد الحقيقي لا يعني إقامة فعالية ثم التقاط الصور والانصراف، وإنما يعني أن يكون للحزب حضور مستمر بين الناس.

 

أن يسمع شكوى المواطن، ويفهم أسبابها، ويتابعها مع الجهات المختصة، ويعود إليه بنتيجة واضحة.

 

فالناس لا تحتاج فقط إلى من يسمعها، وإنما تحتاج إلى من يتابع ما تسمعه المؤسسات عنها.

 

وهنا يتحول الحزب من مجرد وسيط انتخابي إلى حلقة وصل دائمة بين المجتمع والدولة.

 

السياسة ليست موسم انتخابات

 

أحد أهم التحديات أمام الحياة الحزبية هو ألا يرتبط حضور الأحزاب بالمواسم الانتخابية فقط.

 

فالعمل السياسي الحقيقي لا يبدأ قبل الانتخابات بأسابيع ولا ينتهي بانتهاء صناديق الاقتراع. إنما هو عمل يومي يقوم على التوعية، والحوار، والاستماع، والمشاركة المجتمعية، وإعداد الكوادر القادرة على فهم قضايا الناس والتعامل معها.

 

ومن ثم فإن الحضور في الشارع يمثل اختبارا حقيقيا للحزب: هل لديه ما يقوله؟ وهل لديه ما يقدمه؟ وهل يستطيع أن يحول ما يسمعه من المواطنين إلى رؤى ومقترحات وبرامج؟

 

من الشعارات إلى الفعل

 

الشارع لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى نتائج.

 

والحزب الذي ينزل إلى الناس ثم لا يتابع قضاياهم، قد يحقق حضورا شكليا، لكنه لا يبني ثقة مستدامة.

 

أما الحضور الذي يقوم على الاستماع والتوثيق والمتابعة والتواصل، فهو الذي يمكن أن يصنع فارقا حقيقيا في علاقة المواطن بالعمل السياسي.

 

وهنا تصبح الفعالية الحزبية وسيلة وليست غاية، ويصبح الهدف هو بناء علاقة قائمة على الثقة والمسؤولية.

 

صناعة جيل جديد من السياسيين

 

التواجد في الشارع لا يخدم المواطن وحده، وإنما يساهم أيضا في صناعة كوادر سياسية جديدة.

 

فالشاب الذي يشارك في لقاءات المواطنين ويتعامل مع مشكلاتهم ويتعلم كيفية إدارة الحوار واختلاف الآراء، يكتسب خبرة عملية لا يمكن أن توفرها له الاجتماعات التنظيمية وحدها.

 

وهذا مهم لبناء حياة حزبية أكثر نضجا، يكون فيها الحزب مدرسة للعمل العام، ومجالا لإعداد قيادات تمتلك القدرة على الاستماع والحوار وتحمل المسؤولية.

 

الرسالة الأعمق

 

ربما تكون الرسالة الأهم في الدعوة إلى تواجد الأحزاب في الشارع هي أن المواطن يجب ألا يكون متلقيا للسياسة فقط، بل شريكا في صياغة النقاش العام.

 

فحين يسمع الحزب الناس، يستطيع أن يفهم الواقع بصورة أكثر دقة، وحين ينقل مطالبهم بصورة مسؤولة، يصبح جزءا من عملية المشاركة المجتمعية.

 

وهنا تنتقل السياسة من كونها حديثا عن المواطن إلى حديث معه، ومن بيانات تصدر من المكاتب إلى أفكار تولد من الواقع.

 

الخاتمة

 

إن عودة الأحزاب إلى الشارع، إذا اقترنت بالاستماع الجاد والعمل والمتابعة، يمكن أن تعيد للحياة الحزبية أحد أهم أدوارها: أن تكون جسرا بين المواطن والدولة، ومنصة للحوار، ومدرسة للمشاركة، ومساحة لإعداد كوادر قادرة على خدمة المجتمع.

 

فالشارع ليس مكانا للظهور السياسي فقط، وإنما هو الميدان الذي تُختبر فيه صدقية الخطاب السياسي.

 

والحزب الذي يسمع الناس اليوم، يستطيع أن يفهم المجتمع غدا؛ أما الحزب الذي لا يرى المواطن إلا في موسم الانتخابات، فقد يفوته أهم درس في السياسة: أن الناس ليست جمهورا للخطاب، بل شريك في صناعة المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى