مقالات

«كشكول الجمسي».. كيف ساهمت دراسة التوقيت في التخطيط لعبور أكتوبر؟

كتبت يوستينا ألفي 

لم تكن حرب أكتوبر 1973 مجرد عملية عسكرية خاطفة، وإنما جاءت نتيجة سنوات من إعادة بناء القوات المسلحة المصرية ودراسة دقيقة لقدرات العدو وظروف المعركة. وفي قلب هذا التخطيط برز اسم المشير محمد عبد الغني الجمسي، الذي ارتبط اسمه بما عُرف إعلاميًا بـ«كشكول الجمسي»، وهي الدراسة التي تناولت أنسب توقيت لتنفيذ الهجوم.

وُلد الجمسي في 9 سبتمبر 1921 بمحافظة المنوفية، والتحق بالكلية الحربية وتخرج عام 1939 في سلاح المدرعات. وخلال الحرب العالمية الثانية خدم في الصحراء الغربية، ثم عمل بعد الحرب في المخابرات الحربية، وتخصص في تدريس التاريخ العسكري لإسرائيل، قبل أن يتدرج في عدد من المناصب القيادية داخل القوات المسلحة.

من آثار نكسة 1967 إلى الإعداد للمعركة

بعد حرب يونيو 1967، تقدم الجمسي باستقالته من القوات المسلحة، إلا أن الرئيس جمال عبد الناصر رفضها، وأسند إليه مهمة الإشراف على تدريب الجيش المصري مع عدد من القيادات العسكرية، في إطار إعادة بناء القوات والاستعداد للمعركة المقبلة. وبعد ذلك تولى رئاسة هيئة تدريب القوات المسلحة.

وفي يناير 1972 تولى رئاسة هيئة عمليات القوات المسلحة، ليصبح أحد أبرز المسؤولين عن الإعداد والتخطيط للعمليات التي سبقت حرب أكتوبر. ثم تولى رئاسة أركان حرب القوات المسلحة في ديسمبر 1973 خلفًا للفريق سعد الدين الشاذلي.

«كشكول الجمسي» واختيار موعد الهجوم

أشرفت هيئة عمليات القوات المسلحة برئاسة الجمسي على إعداد دراسة تفصيلية لتحديد أنسب توقيت لتنفيذ العملية الهجومية، وعُرضت الدراسة على الرئيس أنور السادات والرئيس السوري حافظ الأسد خلال التحضير للحرب.

وتناولت الدراسة الموقف العسكري للجيش الإسرائيلي والقوات المصرية والسورية، إلى جانب مجموعة من العوامل الطبيعية المرتبطة بعملية العبور، ومنها المد والجزر وسرعة التيار وساعات الظلام وضوء القمر والأحوال الجوية، بما يساعد في تحديد الظروف الأنسب لعبور القوات وإقامة الكباري والمعديات. وعُرفت الدراسة باسم «كشكول الجمسي»، وأصبح اختيار يوم 6 أكتوبر مرتبطًا بما خلصت إليه من تقديرات.

وتذكر مصادر مصرية أن الجمسي دوّن جانبًا من هذه المعلومات في «كشكول» مدرسي، وهو ما ارتبط لاحقًا بالاسم الشهير للدراسة.

من التخطيط إلى إدارة ما بعد الحرب

لم يتوقف دور الجمسي عند التخطيط للحرب؛ ففي ديسمبر 1973 تولى رئاسة أركان حرب القوات المسلحة، ثم قاد الوفد العسكري المصري في مباحثات الكيلو 101 والمفاوضات العسكرية مع الجانب الإسرائيلي، وصولًا إلى اتفاقيات فض الاشتباك.

وفي عام 1974 رُقي إلى رتبة الفريق أول وتولى منصب وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة، ثم أصبح في 1975 قائدًا عامًا للجبهات العربية الثلاث، قبل أن تنتهي خدمته في القوات المسلحة عام 1978 ويتولى لاحقًا منصب مستشار عسكري لرئيس الجمهورية. وفي عام 1980 مُنح رتبة المشير تكريمًا له.

لماذا ارتبط اسمه بـ«أبرع 50 قائدًا»؟

تورد الهيئة العامة للاستعلامات، إلى جانب مصادر صحفية مصرية من بينها «الأهرام»، أن الجمسي صُنّف ضمن أبرع 50 قائدًا عسكريًا في التاريخ، أو ضمن أكثر 50 قائدًا عسكريًا براعة في التاريخ الحديث. لكن المصادر التي عثرت عليها لا تحدد اسم الموسوعة أو الجهة الدولية التي أصدرت هذا التصنيف؛ لذلك الأدق صحفيًا نسب المعلومة إلى المصادر التي أوردتها، بدل نسبتها إلى تصنيف دولي محدد دون توثيق اسمه.

نهاية مسيرة «مهندس أكتوبر»

ارتبط اسم المشير محمد عبد الغني الجمسي بحرب أكتوبر بوصفه أحد أبرز المسؤولين عن التخطيط العملياتي لها، خاصة دراسة التوقيت التي أصبحت تعرف بـ«كشكول الجمسي». وقد كُرم اسمه ضمن قادة حرب أكتوبر، كما واصلت المصادر المصرية استحضار دوره في إعادة بناء القوات المسلحة والتخطيط للعبور.

وتوفي المشير محمد عبد الغني الجمسي في يونيو 2003 عن عمر ناهز 82 عامًا، بعد مسيرة عسكرية امتدت لعقود، بدأت من سلاح المدرعات ووصلت إلى رئاسة هيئة العمليات ورئاسة أركان القوات المسلحة ومنصب وزير الحربية.

وبذلك لم يكن «كشكول الجمسي» مجرد دفتر يحمل ملاحظات عسكرية، بل أصبح رمزًا لفكرة أوسع في التخطيط لحرب أكتوبر: دراسة التفاصيل الدقيقة للعدو، والاستفادة من الظروف الطبيعية والعملياتية، ثم تحويل تلك المعلومات إلى قرار عسكري محسوب.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى