صفاء دعبس تكتب.. مصر مع تنمية إفريقيا.. وأمنها المائي خط أحمر في مواجهة أي تهديد
منذ فجر التاريخ، كانت مصر بلدًا مسالمًا، لا تعتدي على أحد ولا تسعى إلى التآمر على الدول أو التدخل في شؤون الآخرين، وظلت حريصة على علاقاتها مع شعوب العالم، ومتمسكة بمبدأ السلام وحسن الجوار.
لكن السلام بالنسبة إلى مصر لا يعني التنازل عن أمنها القومي أو التفريط في مصالح شعبها، فحين يتعلق الأمر بأمن الدولة ومقدراتها، فإن القاهرة لن تقف مكتوفة الأيدي، ولن تسمح بأن تتحول سياسة ضبط النفس إلى باب للمساس بحقوقها أو تهديد مصالحها الاستراتيجية.
فمصر لا تذهب إلى إفريقيا بحثًا عن صراع، ولا تمد يدها إلى دولة لتفرض إرادتها عليها، بل تذهب بالتنمية والخبرة والمشروعات. لكن عندما يصل الأمر إلى النيل، تتغير الحسابات، لأن المياه بالنسبة إلى مصر ليست مجرد مورد طبيعي، وإنما قضية ترتبط مباشرة بأمنها القومي وحياة شعبها.
وتؤكد مصر في تصريحاتها الرسمية دعمها لجهود التنمية والازدهار في مختلف دول القارة الإفريقية، وهو ما انعكس في مشاركة الشركات والخبرات المصرية في تنفيذ مشروعات كبرى داخل القارة، وعلى رأسها سد ومحطة جوليوس نيريري في تنزانيا، الذي يمثل أحد أبرز نماذج التعاون المصري الإفريقي في مجالي المياه والطاقة. كما تؤكد القاهرة أن الحفاظ على الأمن المائي المصري لا يتعارض مع تطلعات دول حوض النيل إلى التنمية، وأن التعاون وتحقيق المنفعة المتبادلة يمثلان أساسًا للتحرك المصري في القارة.
أبرز السدود والمشروعات المائية المصرية في إفريقيا
ومن أبرز المشروعات التي شاركت مصر في تنفيذها أو دعمها في إفريقيا: سد ومحطة جوليوس نيريري في تنزانيا، ومشروعات حصاد مياه الأمطار في أوغندا، ومشروع سد واو في جنوب السودان، إلى جانب مشروعات توفير مياه الشرب وحفر الآبار والحماية من الفيضانات.
وهنا تظهر الرسالة المصرية بوضوح: مصر تدعم تنمية إفريقيا، وتشارك في بناء مشروعاتها، لكنها في الوقت نفسه تتمسك بأن التنمية لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للإضرار بمصالح دولة أخرى أو تهديد أمنها المائي.
سد النهضة وتداعيات المشهد الإثيوبي
وتؤكد مصر دائمًا ضرورة التوصل إلى اتفاق ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، بما يراعي مصالح دول حوض النيل ويحفظ حقوق دولتي المصب، بينما تتمسك إثيوبيا بحقها في التنمية وتوليد الكهرباء واستغلال مواردها المائية. ومع ذلك، فإن مصر لا تعارض تنمية إفريقيا أو حق إثيوبيا في التنمية، وإنما تتمسك بحقوقها المائية وأمنها القومي، فالأمن القومي المائي المصري خط أحمر لا يمكن المساس به.
وفي الوقت نفسه، تتصاعد التوترات داخل إثيوبيا مع تجدد القتال في إقليم تيغراي بين القوات الحكومية وقوى مسلحة، بالتزامن مع توترات بين أديس أبابا وإريتريا بشأن الوصول إلى البحر الأحمر، إلى جانب استمرار الخلاف حول سد النهضة وتداخل المشهد الإثيوبي مع تطورات الحرب في السودان، بما يجعل منطقة القرن الإفريقي أمام ملفات متشابكة تتجاوز حدود دولة واحدة.
ومصر ليست طرفًا في الصراع الداخلي الدائر في إثيوبيا، ولا تسعى إلى تأجيج الخلافات أو التدخل في الشأن الإثيوبي، فموقفها يقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
لكن عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي المصري أو الأمن المائي، فإن مصر تعرف كيف تدافع عن مصالحها وتتعامل مع الملفات التي تمس أمنها بالوسائل السياسية والدبلوماسية والقانونية، بعيدًا عن تأجيج الصراعات أو الدفع نحو مزيد من التوتر داخل المنطقة.
وأخيرًا.. النيل يجري بأمر الله، ومياهه ليست ورقة في يد أي دولة لتتحكم في مصيرها أو تفرض إرادتها على الآخرين.
ومصر التي تمد يدها للتنمية في إفريقيا، وتشارك في بناء المشروعات ودعم الشعوب، ستظل متمسكة بحقوقها المائية، لأن الأمن القومي المائي المصري خط أحمر لا يمكن المساس به.



