بين “حياد الفيفا” والمطالب الدينية: التحديات التي تواجه مباراة مصر وإيران

محمود عوض
تقدم الاتحادان المصري والإيراني بطلبات رسمية للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) تهدف إلى ضمان إقامة المباراة في أجواء رياضية بعيدة عن أي أنشطة أو مظاهر تروج لدعم المثلية، وذلك احتراماً للقيم الدينية والثقافية للبلدين.
تقرير مفصل حول الجدل المثار بشأن المباراة المرتقبة بين منتخبي مصر وإيران في كأس العالم 2026:
تشهد المباراة بين مصر وإيران ضمن منافسات كأس العالم 2026 حالة من الجدل نتيجة تزامن إقامتها في مدينة سياتل الأمريكية مع فعاليات محلية داعمة لمجتمع الميم (المثليين) تُعرف بـ “فعاليات الفخر” (Pride).
رفض الاتحاد الدولي لكرة القدم المطالب المشتركة لمصر وإيران بشأن منع “مظاهر الدعم” في محيط الملعب. وأكد “فيفا” في بياناته أن البطولة “حدث شامل يرحب بالجماهير من مختلف الخلفيات”، مشيراً إلى أن قوانين البطولة تسمح للجماهير برفع الأعلام الملونة (بما في ذلك علم قوس قزح) داخل الملاعب، باعتبارها رموزاً عامة لحقوق الإنسان وفق وجهة نظرهم، ما لم تخالف القواعد التنظيمية الأخرى.
الجدل الجماهيري: أثارت هذه التطورات استياءً واسعاً في الشارع الرياضي المصري والإيراني، حيث اعتبر الكثيرون أن السماح بهذه الرموز يمثل استفزازاً لمشاعر الشعوب المسلمة ويتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي الذي يجرم هذه الممارسات. كما دخلت منظمات مثل “CitizenGo” على خط الأزمة، حيث أطلقت عريضة تطالب الفيفا بعدم تصنيف المباراة ضمن فعاليات “الفخر”.
من المهم التمييز بين مواقف الفيفا التنظيمية في مواقف مختلفة:
على أرض الملعب: يطبق الفيفا قيوداً صارمة على اللاعبين والمنتخبات داخل أرض الملعب؛ فقد سبق أن منع في مونديال قطر 2022 المنتخبات الأوروبية من ارتداء شارات “One Love” الداعمة للمثليين تحت طائلة عقوبات انضباطية وإنذارات للاعبين.
في مدرجات الجماهير: الفيفا يتبنى سياسة تتيح للمشجعين حرية التعبير عن آرائهم عبر الأعلام والشعارات، ما لم تكن هذه الشعارات تحمل طابعاً سياسياً عدائياً أو تحريضاً على العنف، وهو ما يجعل علم قوس قزح مسموحاً به في أيدي الجماهير، وهو أمر يختلف عن “الأنشطة الرسمية” التي قد ينظمها الفيفا نفسه.
يطالب الجمهور المصرى بالانسحاب من المباراة وعدم المشاركة فى ما يطلبه الفيفا باعتباره مخالف الأديان السماوية وتعاليم الاسلام
ويرى البعض الأزمة الحالية ليست متعلقة بـ “فرض” الفيفا لشعارات معينة على اللاعبين، بل تتعلق برفض الفيفا تقييد ما يرفعه الجمهور في مدرجات مدينة سياتل، وهو ما يضع المباراة في صدام بين القوانين المنظمة للبطولة وبين الثوابت الدينية والاجتماعية للدول المشاركة.
بناءً على لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) المتعلقة ببطولات كأس العالم، يعتبر الانسحاب من البطولة أو الامتناع عن خوض مباراة رسمية مخالفة جسيمة تستوجب عقوبات صارمة.
فيما يلي ملخص للعقوبات والإجراءات التي قد تُتخذ في حال حدوث انسحاب:
أولاً: العقوبات المالية والتعويضات
تفرض لجنة الانضباط في “فيفا” عقوبات مالية تصاعدية تعتمد على توقيت الانسحاب:
قبل البطولة بـ 30 يوماً أو أكثر: غرامة مالية لا تقل عن 250,000 فرنك سويسري (ما يعادل قرابة 323,000 دولار).
خلال الـ 30 يوماً التي تسبق المباراة الأولى: تتضاعف العقوبة لتصل إلى ما لا يقل عن 550,000 يورو، وتكون قابلة للزيادة بقرار من اللجنة.
التزامات إضافية: يُلزم الاتحاد المنسحب بسداد كافة المبالغ التي تلقاها من “فيفا” كدعم لإعداد المنتخب للبطولة، بالإضافة إلى تعويض “فيفا” عن أي خسائر مالية أو أضرار تسبب فيها الانسحاب (مثل تذاكر المباريات، عقود البث، أو حقوق الرعاة).
ثانياً: العقوبات الرياضية والتبعات القانونية
لا تتوقف العقوبات عند الجانب المالي، بل تمتد لتشمل عقوبات رياضية قاسية:
الخسارة الاعتبارية: في حال الانسحاب من مباراة محددة، تُحتسب النتيجة خسارة للفريق المنسحب بنتيجة (3-0)، ما لم تكن النتيجة المسجلة فعلياً لصالح الخصم أكبر من ذلك.
الإقصاء: الانسحاب من البطولة يؤدي إلى إقصاء المنتخب نهائياً من المنافسة الجارية.
عقوبات مستقبلية: للجنة الانضباط الحق في فرض عقوبات إضافية تشمل الحرمان من المشاركة في استحقاقات مستقبلية (مثل النسخ القادمة من كأس العالم أو تصفيات البطولات القارية).
ثالثاً: آلية التعامل مع الفراغ في الجدول
عند انسحاب منتخب، يتخذ “فيفا” قرارات إدارية فورية للحفاظ على نزاهة المنافسة:
الاستبدال: قد تقرر اللجنة المنظمة استبدال المنتخب المنسحب بمنتخب آخر وفق معايير محددة يضعها “فيفا” (مثل اختيار المنتخب الذي تلاه في ترتيب المجموعة أو المنتخب الذي أقصاه في مراحل سابقة)، علماً بأن اللوائح لا تنص على آلية تلقائية ثابتة، بل تترك القرار النهائي للمجلس أو اللجنة المختصة.
إلغاء النتائج: إذا وقع الانسحاب خلال دور المجموعات، فقد يتم إلغاء جميع نتائج المنتخب المنسحب واعتبار مبارياته كأنها لم تُلعب لضمان تكافؤ الفرص لباقي المنتخبات في المجموعة.
وتعتبر قوانين “فيفا” هذه الإجراءات “حائط صد” لمنع أي اتحادات من التلويح بالانسحاب لأسباب سياسية أو ثقافية، حيث يحرص الاتحاد الدولي على ضمان استمرار البطولة وفق الجدول الزمني المخطط له. وتظل احتمالية الانسحاب “أمراً غير مسبوق” في العصر الحديث نظراً لما يترتب عليه من تبعات قانونية ومالية ورياضية قد تؤثر على مسيرة الكرة في الدولة المنسحبة لسنوات طويلة.



