عندما يهرب المدرب من الرياضة فاعلم أن هناك شيئا أكبر من المدرب قد انهار
هناك أسئلة كثيرة نطرحها عندما تتراجع نتائج الرياضة
لماذا اختفت المواهب؟
لماذا قل عدد الأبطال؟
لماذا يعتزل اللاعبون مبكرا؟
لماذا تتراجع بعض الألعاب؟
لكن هناك سؤالا أخطر كثيرا
لماذا يترك المدرب مهنة التدريب التي أفنى فيها سنوات عمره ويتجه إلى أي عمل آخر ؟
هذا السؤال لا يجب أن نتعامل معه باعتباره قرارا شخصيا يخص المدرب وحده لأن المدرب عندما يترك الملعب لا يترك وظيفة فقط هو يترك سنوات من الخبرة ويترك لاعبين كان يقوم بتطويرهم ويترك جيلا كان يمكن أن يصنع منه أبطالا
ويأخذ معه معرفة لا يمكن تعويضها بشهادة جديدة أو مدرب بديل يأتي في اليوم التالى ولهذا فإن هروب المدربين من المهنة ليس ظاهرة فردية بل مؤشر خطير على وجود خلل داخل المنظومة الرياضية نفسها
المدرب في كثير من الأحيان يعمل لساعات طويلة يبدأ عمله قبل وصول اللاعبين وينتهي بعد مغادرتهم يتابع التدريبات والبطولات والإصابات والأسر واللاعبين ويتحمل ضغط النتائج ويتحمل أحيانا مسؤولية قرارات لم يكن هو صاحبها ثم في النهاية يجد نفسه أمام دخل غير مستقر ومستقبل مهني غير واضح وحماية مهنية محدودة وتقدير لا يتناسب مع حجم المسؤولية
وهنا يصبح من الطبيعي أن يسأل نفسه لماذا أستمر ؟؟؟؟
عندما يجد المدرب أن عملا آخر يستطيع أن يوفر له دخلا أكثر استقرارا وساعات عمل أكثر انتظاما ومستقبلا أكثر وضوحا وحياة أسرية أفضل فلا يجب أن نلومه عندما يختار الطريق الذي يضمن له ولأسرته حياة أفضل
المشكلة ليست أن المدرب يبحث عن المال بل المنظومة جعلت المدرب مضطرا في كثير من الأحيان إلى البحث عن مصدر آخر للدخل
وهنا يجب أن نكون صريحين
لا يمكن أن نطلب من شخص أن يصنع أبطالا وهو عاجز عن صناعة مستقبل آمن لنفسه ولا يمكن أن نطالبه بالتطوير المستمر بينما لا توجد له منظومة حقيقية للتطوير ولا يمكن أن نحاسبه على النتائج بينما لا نعطيه الأدوات والموارد والصلاحيات التي تمكنه من تحقيقها ولا يمكن أن نطلب منه الولاء لمهنة لا يشعر أنها تضمن له الحد الأدنى من الاستقرار
وهناك مشكلة أخرى أكثر عمقا وهي نظرة البعض إلى المدرب باعتباره مجرد موظف يمكن تغييره في أي وقت بينما الحقيقة أن المدرب المحترف هو أحد أهم أصول المؤسسة الرياضية
فالمنشأة يمكن تطويرها و الأجهزة يمكن شراؤها و المعدات يمكن استبدالها لكن الخبرة التي بناها مدرب على مدار عشرين أو ثلاثين عاما لا يمكن شراؤها بسهولة والأخطر من ذلك هو فقدان المدرب لثقته في المنظومة عندما يشعر أن التعيين لا يعتمد دائما على الكفاءة
وأن الاستمرار لا يعتمد دائما على الإنجاز وأن القرارات الفنية قد تتأثر بعوامل بعيدة عن العمل الفني وأن النتيجة وحدها هي المعيار وأن سنوات الخبرة يمكن تجاهلها فإن الرسالة التي تصل إليه تكون واضحة هذه المهنة لا تمنحني الأمان الذي أحتاجه وهنا يبدأ الرحيل
مدرب يذهب إلى وظيفة ومدرب يفتح مشروعا ومدرب يعمل في مجال آخر ومدرب يكتفي بالتدريب كعمل إضافي ومدرب آخر يترك المجال بالكامل وفي كل مرة يرحل فيها مدرب صاحب خبرة
نحن لا نخسر شخصا فقط نحن نخسر جزءا من الذاكرة الرياضية
لكن المشكلة لا تتوقف عند المدرب هناك تحول آخر يجب أن نتحدث عنه بصراحة و هو تحول الرياضة من رسالة إلى نشاط استثماري في بعض المؤسسات والاستثمار الرياضي ليس المشكلة بل هو ضرورة ولا يمكن أن تستمر المؤسسات الرياضية دون موارد ولا يمكن أن تتطور المنشآت دون استثمار ولا يمكن أن نحصل على رياضة حديثة دون إدارة اقتصادية قوية لكن الخطر يبدأ عندما يصبح الاستثمار هو الهدف وتصبح الرياضة مجرد وسيلة لتحقيق الإيرادات و عندما يصبح اللاعب رقما في كشف الاشتراكات ويصبح المدرب تكلفة يجب تخفيضها وتصبح اللعبة التي لا تحقق عائدا مباشرا عبئا ويصبح قطاع الناشئين مشروعا مؤجلا لأنه لا يحقق ربحا سريعا و هنا يجب أن نتوقف لأن الرياضة ليست مشروعا تجاريا فقط الرياضة صناعة إنسان قبل أن تكون صناعة أموال والبطل الذي نراه على منصة التتويج لم يظهر فجأة وراءه سنوات من التدريب ومدرب وأسرة ونادى وإدارة وطبيب ومختص تأهيل ومصاريف وتضحيات ومنظومة كاملة
فإذا كان الاستثمار الرياضي لا يعود بالنفع على هذه المنظومة فما معنى الاستثمار ؟؟
الاستثمار الحقيقي ليس أن تزيد إيرادات النادي فقط بل الاستثمار الحقيقي أن تتحول هذه الإيرادات إلى مدربين أفضل ولاعبين أكثر ومنشآت أفضل وتأهيل أفضل ورعاية طبية أفضل ومعسكرات أفضل وبرامج إعداد علمية واكتشاف مواهب جديدة وإتاحة فرص حقيقية لمن لا يستطيع تحمل تكلفة الرياضة و لكن أن تتحول الرياضة إلى مجرد تحصيل رسوم فهذا ليس بناء لمنظومة رياضية هذا بناء لنشاط تجاري يبيع الرياضة وهنا تظهر مشكلة أخرى
الألعاب التي لا تحقق عائدا جماهيريا أو ماليا كبيرا
هذه الألعاب قد تكون أقل قدرة على جذب الإعلانات لكنها في كثير من الأحيان هي التي تصنع أبطالا للمنتخبات وتحقق لمصر إنجازات دولية وتوفر فرصا لمئات وآلاف الشباب و تمنحهم الانضباط والانتماء والهوية فهل نقيس قيمة اللعبة فقط بما تحققه من إيرادات أم بما تضيفه للمجتمع والمنتخبات وصناعة الأبطال
نحن بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم النجاح داخل المؤسسة الرياضية
ليس كل نجاح رقما في الميزانية وليس كل فشل خسارة بطولة
قد يحقق ناد أرباحا كبيرة لكنه يخسر مدربيه وقد يحقق ناد إيرادات مرتفعة لكنه يفقد قطاع الناشئين وقد يحقق ناد نتائج مؤقتة لأنه يعتمد على شراء لاعبين جاهزين بينما لا يصنع لاعبا واحدا وفي المقابل قد يكون هناك ناد ينفق على قطاع الناشئين سنوات قبل أن تظهر النتائج هذا النادي لا يجب أن نعتبره فاشلا لأنه ببساطة يستثمر في المستقبل المشكلة أننا نريد نتائج سريعة من مشروع يحتاج إلى سنوات لا بطلا في موسم ونريد مدربا يصنع نتائج فورية ونريد قطاع ناشئين يحقق بطولات باستمرار وفي الوقت نفسه لا نوفر دائما البيئة التي تسمح لكل ذلك بالحدوث ثم عندما يفشل المشروع نلوم المدرب
وعندما يرحل المدرب نلوم اللاعب وعندما يعتزل اللاعب نلوم الأسرة وفي النهاية لا أحد ينظر إلى المنظومة نفسها وهذا هو الخطأ الأكبر
نحن بحاجة إلى منظومة يكون فيها لكل طرف حق وعليه مسؤولية
اللاعب له حق في بيئة عادلة والمدرب له حق في أجر عادل واستقرار مهني والنادي له حق في تحقيق عائد من استثماره والأسرة لها حق في معرفة أين تذهب أموالها والاتحاد له مسؤولية وضع قواعد عادلة والدولة لها مسؤولية حماية الرياضة كجزء من بناء الإنسان والاستثمار له حق في الربح لكن عليه أيضا مسؤولية اجتماعية ورياضية المعادلة ليست ضد الاستثمار
المعادلة ضد أن يصبح الربح هو المعيار الوحيد وليست ضد الإدارة ولكن ضد الإدارة التي تنسى أن الرياضة في النهاية تقوم على الإنسان وليست ضد المحاسبة ولكن ضد المحاسبة التي تحمل المدرب نتيجة منظومة لا يملك السيطرة عليها
وليست ضد المنافسة ولكن ضد المنافسة التي تستهلك اللاعب والمدرب دون أن تمنحهما مستقبلا واضحا
إذا أردنا رياضة قوية فعلينا أن نبدأ من الإنسان و علينا أن نحافظ على المدرب وأن نحمي اللاعب وأن ندعم الأسرة وأن نطور الناشئين وأن نحترم أصحاب الخبرة وأن نفتح الطريق أمام الشباب وأن نجعل الاستثمار أداة لصناعة الأبطال وليس بديلا عن صناعة الأبطال لأن الحقيقة التي يجب أن نعترف بها هي أن المدرب الذي يترك الرياضة ليس هو المشكلة هو في كثير من الأحيان نتيجة للمشكلة واللاعب الذي يترك الرياضة ليس دائما فاقدا للطموح قد يكون فقد ثقته في الطريق
والنادي الذي يبحث عن الاستثمار ليس مخطئا لكن الخطأ أن ننسى أن الاستثمار في الرياضة يجب أن يبدأ من الاستثمار في الإنسان
وفي النهاية يجب أن نسأل أنفسنا سؤالا واحدا إذا كان المدرب هو الذي يصنع اللاعب واللاعب هو الذي يصنع البطل والبطل هو الذي يصنع الإنجاز فمن الذي يصنع البيئة التي تحافظ على المدرب واللاعب والبطل ؟؟ هذه هي القضية الحقيقية
لأننا إذا استمررنا في فقدان المدربين واللاعبين وأصحاب الخبرة فقد يأتي يوم لا تكون فيه المشكلة أننا لا نملك أبطالا بل تكون المشكلة أننا لم نعد نملك المنظومة القادرة على صناعة الأبطال من الأساس فالرياضة لا تنهار عندما نخسر بطولة بل الرياضة تبدأ في الانهيار عندما يفقد أبناؤها الإيمان بأن مستقبلهم داخلها أفضل من مستقبلهم خارجها وفي النهاية لا يمكن أن نبني رياضة تصنع الأبطال بمنظومة تدفع المدربين إلى الرحيل واللاعبين إلى الاعتزال فحين يصبح مستقبل المدرب خارج الملعب أفضل من مستقبله داخله وحين يصبح مستقبل اللاعب خارج الرياضة أكثر أمانا من مستقبله فيها فالمشكلة لم تعد في المدرب ولا في اللاعب بل أصبحت في منظومة كاملة تحتاج إلى مراجعة حقيقية قبل أن نخسر ما لا يمكن تعويضه