رياضة

من جدران المعابد الى الملاعب : سر “التحية التاريخية” في احتفالات محمد صلاح

متابعة نصر سلامة

في كل مرة يهز فيها محمد صلاح لاعب المنتخب المصري ونادي ليفربول شباك المنافسين في الملاعب ، لا يكتفي بخطف الأضواء بمهارته، بل يترك الجماهير والمحللين في حيرة بسبب طريقة احتفاله بالأهداف.


حيث يقوم صلاح يتقمص أشكالاً ورموزاً تعبيرية مميزة؛ لعل أبرزها ظهوره واقفاَ وهو يضع يده اليمنى على صدره، بينما يرفع يده اليسرى نحو السماء بوضعية هندسية لافتة.
​لكن هل فكرت يوماً أن “محمد صلاح ” قد يكون حرفياً بصدد إحياء طقس مصري قديم عمره آلاف السنين؟
​يعلق المؤرخ بسام الشماع على هذه الطريقة في الاحتفال قائلا:
​إذا زرت متحف “سينسيناتي” بالولايات المتحدة، أو القسم المصري في “المتحف البريطاني” (British Museum)، ستجد تماثيل برونزية ساحرة تعود للفترة ما بين 945 ق.م إلى 712 ق.م، تمثل كائناً مقدساً برأس صقر يُعرف أثرياً باسم “روح مدينة پي (Soul of Pe)” أو “حورس من پي”.
​المثير للدهشة ليس التاريخ فقط، بل “التكنيك” الجسدي للتمثال؛ فهو يظهر راكعاً على ركبة واحدة، قابضاً يديه؛ إحداهما أمام الصدر والأخرى فوق الكتف، في حركة جسدية ترمز للابتهاج والاحتفاء، سواء لتحية شروق الشمس أو لاستقبال الملوك.


​عبقرية النحت المصري القديم في هذا التمثال تُظهر عضلات منحوتة بإتقان وقوة شديدين لتجسيد الهيبة، وهو ما يتقاطع بشكل مذهل مع البنية الجسدية والرياضية المفتولة التي يستعرضها صلاح عند احتفاله بأهدافه الحاسمة.
​ويضيف بسام الشماع، ​”إن الاحتفال بهذه الطريقة ليس مجرد عفوية وليدة اللحظة، بل هو استدعاء مذهل لواحدة من أقدم مفاجآت الحضارة المصرية القديمة،و يلفت انتباهنا عالم الآثار المصري د. إكرامي الساكت (صاحب نظرية ثنائية تماثيل أبو الهول بميت رهينة) إلى أن هذه الحركة تماثل تماماً ما يُعرف في مصر القديمة بـ “تحية الهنو (ḥnw).


​وهي تحية فرعونية عظيمة تعبر عن الفرحة، والتمجيد، والابتهاج، والاحتفال، وثقها المصري القديم على جدران المعابد منذ آلاف السنين. والمثير للاهتمام أن هذه الوضعية تجمع بين الجانب الاحتفالي والعسكري في آن واحد (تحية للملك واستعداد للدفاع عن حكمه)، تماماً كلاعب يسجل هدفاً ويؤكد جاهزيته للمعارك الكروية القادمة. ولغوياً، تبدو الكلمة المصرية القديمة “هنو” قريبة جداً في اللفظ والمعنى من كلمتنا الحالية “تهنئة”!
​حكاية “أرواح پي ونخن”


​لكن من هم أصحاب هذه الحركة تاريخياً؟
تذكر “نصوص الأهرامات” أرواح “پي” وأرواح “نخن” كرموز تمثل أسلاف ملوك مصر القديمة. وكانت “نخن” (هيراكونبوليس باليونانية) مركز عبادة “حورس” في الصعيد، بينما “پي” (بوتو باليونانية) كانت مدينة في الوجه البحري منحها المعبود “رع” لحورس بعد إصابة عينه في صراعه على العرش. هذه التماثيل بملامح صقر الشاهين (Lanner Falcon) كانت تُطعم بالأحجار الكريمة والمعادن النفيسة لتخطف الأنظار، تماماً كما يخطف صلاح الأبصار في “الأنفيلد”.
​هكذا، يثبت “محمد صلاح” مع كل اهتزاز للشباك، أنه لا يحرز أهدافاً تمنح النقاط لفريقه فحسب، بل يحيي ربما دون قصد أو مدفوعاً بجينات أجداده الكامنة إرثاً حضارياً وتاريخياً ممتداً عبر العصور، متنقلاً بروعة من جدران المعابد إلى المستطيل الأخضر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى