مقالات

العريش بوابة التاريخ ونبض الفيروز

كتب الدكتور سليمان عباس البياضي

على ساحل البحر الأبيض المتوسط،حيث تتقابل رمال سيناء الذهبية مع زرقة المياه الصافية،تقف مدينة العريش كحارس أمين على حدود مصر الشرقية.ليست العريش مجرد بقعة جغرافية،بل ذاكرة حية،وشاهد صامد على تعاقب الحضارات،ومن قلاعها الفرعونية القديمة إلى القلعة العثمانية التي شيدها السلطان سليمان القانوني، لتصبح العريش عبر العصور الباب الدوار الذي تتحرك فيه حكايات العابرين والجيوش، والجسر الرابط بين ماضي مصر وحاضرها. 

 تتميز بتاريخها العريق،وجمال شواطئها،وروح أهلها العريقة. إنها العريش التي توصف بأنها “مدينة ذات رائحة طيبة وماء عذب “، وهي مدينة الصمود التي لا تعرف النسيان،حيث تروي كل زاوية قصة عزة، وتهمس كل موجة بحكاية حب، لتظل العريش دومًا الذاكرة المتجددة لسيناء .

العريش بوابة مصر الشرقية، وعروس الفيروز الساحرة، حيث يتعانق زرقة البحر المتوسط مع رمال سيناء البيضاء النقيّة،لتنثر أشجار النخيل عبق التاريخ على شواطئها الهادئة،وهي نقطة الالتقاء بين عراقة الماضي وجمال الحاضر.

– أصل التسمية :

 تشير روايات إلى أن النبي إبراهيم عليه السلام اتخذ بها عريشا اي مسكنًا من جريد النخل يستظل به حين كان يمر بها .

 قيل إنها سميت نسبة إلى العريش بن مالك بن دعر بن حجر بن جذيلة بن لخم، الذي نزل بها وبناتها .

وهناك رواية أخرى تقول إن إخوة يوسف عليه السلام أقاموا فيها عريشا يستظلون به في فترة القحط .

– الموقع الجغرافي :

 تقع في شمال شرق شبه جزيرة سيناء على ساحل البحر المتوسط،وتبلغ مساحتها 762 كيلومتر مربع.

تعتبر نقطة التقاء تاريخية على الطريق الحربي القديم اي طريق حورس،وتبعد عن القاهرة بنحو 344 كيلومتراً. وتتميز بموقعها أنها بوابة مصر الشرقية وتبعد عن مدينه رفح 46 كلم مربع 

يتميز برماله الناعمة ومياهه الصافية،ويعد وادي العريش من أهم الظواهر الجغرافية،حيث يخترق المدينة وكان قديماً يصب مياهه في البحر المتوسط.

مناخ مدينة العريش صحراوي ساحلي ومعتدل شتاء،يتميز بهواء طيب. 

– التقسيم الإداري : 

تعد العريش مركزاً للنشاط الثقافي والاجتماعي في شمال سيناء،وتضم المدينة عدة أحياء جديدة ومتطورة مثل: الريسة،السلام،الجيش، المساعيد،وشهدت المدينة تخطيطاً عمرانياً متكاملاً، وتعتبر أكبر مدينة في شبه جزيرة سيناء.

– تاريخ مدنية العريش :

العصور القديمة، مرّت منها القوافل والجيوش على ما كان يُعرف بـ”طريق حورس”، ذلك الطريق التجاري والعسكري الذي ربط مصر بالشرق. كل غازٍ أو تاجر أو مسافر قادم من الشرق صوب مصر كان لا بد أن يعبر العريش،لتصبح المدينة محطة لا يمكن تجاهلها في تاريخ المنطقة.

ومع دخولها تحت الحكم العثماني،أدرك السلاطين أهمية هذا الموقع، فشيدوا في منتصف القرن السادس عشر قلعة العريش، التي مثّلت حصنًا حجريًا يقف على تلة قريبة من البحر لحماية حدودم مصر من أي تهديد قادم من الشرق.وظلت القلعة شاهدا على صراعات وجيوش التي مرّت عليها 

وكانت تعرف في العصر الاغريقي باسم بـ رينوكورورا.

اكتسبت العريش أهمية خاصة خلال الفتح العربي لمصر،حيث كانت محطة رئيسية في طريق الجيوش القوافل،وشهد عام 1560م إعادة تأسيس المدينة فعلياً عندما بنى السلطان سليمان القانوني قلعة العريش،وهذه القلعة أصبحت الحصن الدفاعي لحماية حدود مصر الشرقية،وجلبت لها حامية من البوشناق،والذين يعود إليهم أنساب معظم عائلات العريش الحالية،ولعبت العريش دورا محوريا في التصدي للحملة الفرنسية، وشهدت توقيع اتفاقية العريش عام 1800م. 

شهدت مدينة العريش في القرن العشرين تحولات تاريخية مفصلية تم إخلاؤها من الأتراك في 30 ديسمبر 1916،ومد الإنجليز خط السكة الحديدية عبر العريش إلى غزة عام 1916 كخط استراتيجي لتموين قواتهم ومطاردة الأتراك.

 وقعت المدينة تحت الاحتلال الإسرائيلي، وشهدت شوارعها تواجداً عسكرياً مكثفاً.

رغم الاحتلال الإسرائيلي حافظ السكان على هويتهم المصرية،وبقي جزء منهم بينما نزح آخرون،وعادت العريش إلى السيادة المصرية بعد اتفاقية كامب ديفيد عام 1978،وبدأت جهود الدولة في إعادة بنائها،وتطوير البنية التحتية،

– الموارد الإقتصادية :

تعد مدينة العريش، عاصمة شمال سيناء، مركزاً اقتصادياً حيوياً بفضل موقعها الاستراتيجي على البحر المتوسط و وغنية بثروات الطبيعية 

تعد العريش مصدراً رئيسياً لرمال البناء، والرمال الزجاجية الصفراء،والرمال السوداء الغنية بالمعادن.

و تشتهر المدينة بوجود ” ملاحة سبيكة ” التي تنتج أجود أنواع الملح البحري،وتصدر شحنات ضخمة عبر ميناء العريش إلي دول الإتحاد الأوروبي .

 يمثل ميناء العريش بوابة لتصدير منتجات شمال سيناء من الفحم،والأسمنت،والرمل الزجاجي إلى الأسواق الخارجية،ويشهد عمليات تطوير لزيادة قدرته الاستيعابية.

يمثل كورنيش العريش وشاطئ النخيل مراكز لمزاولة صيد الأسماك والأنشطة السياحية،تشهد المدينة استصلاحاً زراعياً مستمراً،خاصة مع مشاريع تطوير ترعة الشيخ جابر.

 تقوم جامعة العريش بإنتاج حيواني وداجني لسد احتياجات المجتمع المحلي.

تتوفر إمكانات استثمارية في مجال تقطيع وتلميع الرخام. اشتهرت بمنتجاتها البدوية والسيناوية من أكلمة وأصواف التي يتم تسويقها في سوق الخميس.

تتميز بالسياحة البيئية والمحميات الطبيعية،بالإضافة إلى كورنيش العريش،ومتحف التراث البيئي،ومتحف العريش القومي،وتعمل الدولة على تحويل العريش إلى مركز تجاري عالمي من خلال تطوير مينائها وإنشاء مناطق لوجستية،مما يعزز دورها في تنمية سيناء.

– البنية الاجتماعية والثقافية لمدينة العريش :

ويتميز المجتمع في مدينة العريش بتنوع فريد والتجانس التي يمزج بين أبناء القبائل البدوية،والحضر،والوافدين من مختلف محافظات،وأهالي مدينة العريش يمتزون بأنهم نسيج واحد وجزء لا يتجزأ من مجتمع المصري،وتتميز مدينة العريش بموروث ثقافي بدوي أصيل يمتزج بطبيعتها الساحلية،حيث تحافظ العائلات على عادات وتقاليد متوارثة تشمل الكرم،النخوه و المروءة والشهامة  

ومن العادات والتقاليد في الأفراحط إعداد الولائم التي تعد جزءا مقدسا،حيث يذبح أهل العريس الأغنام أو العجول في يوم الصباحية،ويجتمع الأقارب والأصدقاء لتقديم النقطة، تلتزم القبائل بتقاليد صارمة، حيث تقام سباقات الهجن والخيل أمام بيت العريس، وتعلق الرايات البيضاء، وتستمر الأهازيج الشعبية والسمسمية حتى وقت متأخر،وتحرص السيدات على ارتداء الثوب السيناوي المطرز بخيوط ملونة،وتغطية الوجه بـالبرقع الأحمر المزخرف.

و تشتهر مدنية العريش بأكلة اللصيمة “رغيف خبز يخبز في الرمال ويخلط مع العجر وزيت الزيتون والجرأة” ، والمندي،ويحرص الأهالي على زيارة بعضهم البعض في الأعياد والمناسبات لتعزيز الروابط العائلية والقبلية.

 في شم النسيم يحتفل الأهالي على الشاطئ بركوب الخيل وتناول الفسيخ وشواء الأسماك،وتظل العريش مثالاً للمدينة التي تجمع بين حداثة الحياة الساحلية والتمسك الشديد بتقاليد البدو، مما يجعلها تحتفظ بخصوصية ثقافية فريدة.

تتميز الموسيقى والغناء في مدينة العريش بهويتها البدوية التراثية الممتزجة بنغمات ساحلية،حيث تعتمد على آلات مثل الجركن،المجرونة، الدف،والسمسية.تعكس الأغاني تفاصيل البيئة البدوية، الشجن،وحياة البحر،وتؤديها فرق شعبية مثل فرقة الجركن والعريش للموسيقى العربية في المناسبات والاحتفالات،كاحتفال أربعاء أيوب على تشتهر فرقة العريش للفنون الشعبية بتقديم رقصات تعبر عن البيئة السيناوية، مثل الدبكة العرايشي، الدحية، والمربوعة.

يُعد الشعر البدوي جزءاً لا يتجزأ من الحفلات والمناسبات الاجتماعية،ويتميز بتناول قيم الشجاعة والكرم.

وفي النهاية تعد مدينة العريش عاصمة شمال سيناء،جوهرة ساحلية تمزج بين عراقة التاريخ وحيوية الحاضر،بفضل موقعها الاستراتيجي كبوابة مصر الشرقية، وشواطئها النظيفة،وطبيعتها الصحراوية الساحرة،تظل العريش رمزاً للصمود والتنمية،ووجهة ثقافية واعدة تطل على مستقبل مشرق في قلب أرض الفيروز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى