Uncategorized

السيسي بين نيران الإقليم واختبار بقاء الدولة المصرية

  1. بقلم: أشرف ماهر ضلع

ليست كل الحروب التي تهدد الأوطان تبدأ بطلقة، وليست كل المعارك التي تستنزف الدول تُخاض على حدودها؛ فثمة حروب تُدار بالحصار، وأخرى بالضغط الاقتصادي، وثالثة بإشعال الأزمات حول الدولة حتى تجد نفسها محاصرة بين واجب الدفاع عن أمنها القومي ومسؤولية الحفاظ على استقرار شعبها.

وهنا تقف مصر، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، أمام مشهد إقليمي بالغ التعقيد، تتشابك فيه الأزمات وتتقاطع المصالح، وتتوالى التحديات من الجنوب إلى الشرق، ومن مياه النيل إلى البحر الأحمر، ومن فلسطين إلى الخليج، حتى تبدو المنطقة كأنها برميل بارود ينتظر شرارة جديدة.

إثيوبيا.. حين يتحول النيل إلى معركة وجود

في الجنوب، تظل أزمة سد النهضة الإثيوبي واحدة من أخطر الملفات الاستراتيجية التي تواجه الدولة المصرية؛ فالنيل بالنسبة إلى المصريين ليس مجرد مجرى مائي، بل شريان حياة، وامتداد حضاري، وحق يرتبط بأمن أكثر من مائة مليون إنسان.

ومن ثم، فإن التعامل مع الأزمة لا يحتمل المزايدة ولا التفريط، وإنما يحتاج إلى نفس استراتيجي طويل، وتحرك دبلوماسي فاعل، وتنسيق إقليمي ودولي يحمي الحقوق المصرية والسودانية، ويمنع فرض الأمر الواقع في قضية تمس حياة الشعوب ومستقبل الأجيال.

ومع امتلاك مصر جيشا قويا وقدرات عسكرية متطورة، تبقى الحكمة في إدارة القوة، لا في استعراضها؛ فالقوة الحقيقية ليست أن تذهب إلى الحرب كلما ارتفع صوت التهديد، بل أن تجعل السلام ممكنا من دون أن تسمح لأحد بانتزاع حقوقك.

غزة.. الجرح الفلسطيني والاختبار المصري

وفي الشرق، تقف غزة شاهدة على واحدة من أكثر المآسي الإنسانية إيلاما في تاريخ المنطقة الحديث. شعب يواجه القتل والدمار والنزوح، وأرض تتعرض لاستنزاف يفوق قدرة سكانها على الاحتمال، وسط حسابات سياسية تتجاوز حدود القطاع المحاصر.

وتجد مصر نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية: دعم الحقوق الفلسطينية، والعمل على وقف الحرب وإدخال المساعدات، ورفض تهجير الفلسطينيين قسرا إلى سيناء، مع الحفاظ على أمنها القومي ومنع تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأراضي المصرية.

وأي محاولة لفرض واقع سكاني جديد في غزة، أو دفع الفلسطينيين إلى مغادرة أرضهم تحت وطأة الحرب، لا تمثل مجرد أزمة إنسانية، بل تهديدا استراتيجيا لمصر والمنطقة بأسرها.

فمصر التي تحملت تاريخيا مسؤولية كبيرة تجاه القضية الفلسطينية، لا تستطيع أن تتعامل مع غزة باعتبارها أزمة جغرافية على حدودها، بل قضية شعب شقيق وحق تاريخي لا يجوز اختزاله في ترتيبات مؤقتة أو حلول مفروضة بالقوة.

لكن المأساة لا تتوقف عند حدود القصف والدمار؛ إذ إن استمرار الحرب يضع القاهرة أمام ضغوط سياسية وأمنية واقتصادية، ويزيد من تعقيد المشهد الإقليمي، بينما تظل الأولوية المصرية هي وقف نزيف الدم، وحماية الحدود، ورفض التهجير، وفتح الطريق أمام تسوية عادلة.

إيران والبحر الأحمر.. حين تدفع الجغرافيا ثمن الصراع

ثم تأتي المواجهة المرتبطة بإيران، بما تحمله من احتمالات التصعيد واتساع رقعة الاشتباك، لتضيف إلى المنطقة أزمة جديدة قد تتجاوز حدود أطرافها المباشرين.

فأي مواجهة واسعة في الخليج أو الممرات البحرية لا تبقى محصورة في ميادين القتال؛ إذ تمتد آثارها إلى أسعار الطاقة، وتكاليف النقل والتأمين، وحركة التجارة العالمية، واستقرار الأسواق، وقدرة الدول المستوردة للطاقة والغذاء على تحمل أعباء إضافية.

وفي قلب هذا المشهد تقف قناة السويس، أحد أهم شرايين التجارة العالمية ومصادر الدخل الاستراتيجي لمصر.

إن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر، وتصاعد المخاطر المرتبطة بالعبور عبر باب المندب، يدفعان شركات الشحن إلى إعادة حساباتها، وقد يدفعان بعضها إلى سلوك طرق بديلة أطول وأكثر تكلفة. والنتيجة المحتملة ليست مجرد انخفاض في حركة السفن، بل ضغوط على إيرادات القناة، وتكاليف الاستيراد، وسلاسل الإمداد، والاقتصاد المصري كله.

وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: قد لا تكون مصر طرفا مباشرا في حرب، لكنها تدفع بعض أثمانها من مواردها وفرص نموها واستقرار أسواقها.

فالحروب الحديثة لا تعترف بالمسافات؛ إذ قد تُطلق رصاصة في مكان بعيد، فتصل أصداؤها إلى جيب المواطن في القاهرة، وإلى تكلفة رغيف الخبز، وسعر الوقود، وفرص العمل، ومعدلات الاستثمار.

السعودية واليمن.. الأشقاء ليسوا وقودا للحروب

وفي الجزيرة العربية، تظل الأزمة اليمنية وما يرتبط بها من تهديدات للأمن السعودي وأمن الملاحة في البحر الأحمر اختبارا بالغ الصعوبة للعلاقات العربية.

إن أمن المملكة العربية السعودية جزء مهم من أمن المنطقة، كما أن استقرار اليمن ضرورة لا غنى عنها لاستقرار محيطه العربي. لكن الزج بالسعودية في مواجهة مفتوحة أو دفعها إلى حرب استنزاف جديدة لن يخدم مصالح العرب، بل قد يفتح أبوابا إضافية للفوضى والتدخلات الخارجية.

فالعالم العربي ليس بحاجة إلى جبهات جديدة، وإنما إلى إطفاء الحرائق القائمة قبل أن تمتد ألسنتها إلى ما تبقى من استقرار.

وإذا كانت مصر تدرك أن أمن البحر الأحمر لا ينفصل عن أمن الخليج، فإن المصلحة العربية تقتضي تغليب الحلول السياسية، ودعم مسارات التهدئة، ومنع تحويل الخلافات الإقليمية إلى حروب تستنزف الجميع.

فلا مصر تستفيد من إنهاك السعودية، ولا السعودية تستفيد من إضعاف مصر، ولا اليمن يربح من استمرار الحرب، ولا فلسطين تستعيد حقوقها بتفكك محيطها العربي.

السودان ومصر.. جسد واحد لا تحتمل جراحه مزيدا من النزيف

أما السودان، فله في الوجدان المصري مكان لا تختصره حدود ولا تلغيه خلافات السياسة.

ما يجري في السودان من حرب ومعاناة إنسانية ونزوح وتفكك لمؤسسات الدولة لا يمكن النظر إليه باعتباره شأنا بعيدا عن مصر؛ فبين البلدين روابط التاريخ والجغرافيا والنيل والمصالح المشتركة، فضلا عن تداخل المصير الاستراتيجي.

إن السودان ليس مجرد جار جنوبي، ومصر ليست مجرد دولة تراقب من وراء الحدود؛ فكلاهما جزء من معادلة أمنية وإنسانية واحدة، وأي انهيار واسع في السودان ستكون له تداعيات على المنطقة، وفي مقدمتها مصر.

وما يحتاج إليه البلدان اليوم هو حماية وحدة السودان وسلامة أراضيه، ودعم وقف الحرب، وتغليب الحل السياسي، ورفض كل ما من شأنه تفكيك الدولة أو تحويلها إلى ساحة مفتوحة للصراعات بالوكالة.

إن ما يصيب السودان جرح غائر في جسد الأمة العربية، وما يؤلم أهله لا يمكن أن يكون خبرا عابرا في وجدان المصريين.

جيش قوي.. وقرار لا تحكمه الانفعالات

وسط هذه التحديات، تبرز المؤسسة العسكرية المصرية باعتبارها إحدى ركائز حماية الدولة وصون حدودها ومقدراتها.

لقد عملت مصر خلال السنوات الماضية على تطوير قدراتها الدفاعية وتحديث منظومات التسليح والتدريب، إدراكا منها أن المنطقة لا تعرف الثبات، وأن موازين القوة تتغير، وأن حماية الأوطان تحتاج إلى استعداد دائم.

لكن امتلاك القوة لا يعني أن تُستخدم في كل أزمة، كما أن تجنب الحرب لا يعني الضعف أو التراجع.

فثمة فارق كبير بين دولة تعجز عن المواجهة، ودولة تملك أدواتها لكنها تختار توقيت القرار وأسلوبه وفقا لحسابات الأمن القومي والمصلحة الوطنية.

إن الحرب ليست مشهدا بطوليا عابرا؛ إنها دماء تُراق، واقتصادات تُستنزف، وأجيال تدفع أثمانا قد تستمر عقودا. ولذلك، فإن حماية المصريين من مغامرات غير محسوبة لا تقل أهمية عن حماية الحدود بالسلاح.

ومن هنا، فإن تجنب الدخول في صراعات مباشرة مع الأشقاء، ما دامت المصالح الوطنية تسمح بذلك، ينبغي أن يُقرأ في إطار الحرص على منع اتساع رقعة المواجهة، لا باعتباره تنازلا عن الحقوق أو تخليا عن المسؤوليات.

فالحكمة السياسية ليست أن تُشعل النار لتثبت أنك قادر على إطفائها، بل أن تمنع اشتعالها من الأساس، وأن تظل مستعدا إذا فُرضت عليك المواجهة.

الضغط الاقتصادي.. المعركة التي يشعر بها المواطن في بيته

ومع تراكم هذه الأزمات، تصبح الضغوط الاقتصادية أحد أخطر التحديات التي تواجه الدولة المصرية.

فتراجع حركة الملاحة في قناة السويس، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتقلب أسعار الطاقة، واضطراب التجارة الإقليمية، كلها عوامل يمكن أن تضيف أعباء إلى اقتصاد يعاني بالفعل من تحديات معقدة.

غير أن الإنصاف يقتضي التمييز بين التداعيات الخارجية التي لا تملك الدولة التحكم الكامل فيها، وبين المشكلات الداخلية التي تحتاج إلى مراجعة وإصلاح ومحاسبة.

فليس من الموضوعية أن نحمّل الخارج كل أزماتنا، كما ليس من العدل أن نتجاهل أثر الحروب والاضطرابات الإقليمية على موارد الدولة وأوضاع المواطنين.

إن المسؤولية الوطنية تقتضي إدارة اقتصادية أكثر كفاءة، وحماية الفئات الأكثر تضررا، وتوسيع فرص الإنتاج والعمل، وترشيد الإنفاق، وتعزيز الشفافية، حتى لا يتحول المواطن وحده إلى من يدفع فاتورة أزمات لم يصنعها.

فالدولة القوية ليست فقط التي تحمي حدودها، وإنما التي تحمي أيضا قدرة شعبها على الحياة الكريمة، وتمنحه الثقة في أن تضحياته لن تذهب هدرا.

اختراق الداخل.. حين تصبح الشائعة سلاحا

وفي أوقات الأزمات، لا تقتصر المعارك على الحدود؛ فهناك معركة أخرى تدور في الداخل، تتعلق بالوعي والثقة والتماسك الوطني.

قد تتحول الشائعة إلى أداة لإرباك المجتمع، وقد تُستغل الأزمات الاقتصادية لإشعال الغضب، وقد تُقدَّم المعلومات المضللة في ثوب الحقيقة، فتختلط الوقائع بالشائعات، ويتحول الاختلاف الطبيعي إلى خصومة تهدد تماسك المجتمع.

لكن حماية الداخل لا تكون باتهام كل صاحب رأي أو نقد بأنه يستهدف الدولة؛ فالمجتمع القوي هو الذي يميز بين النقد المسؤول والتحريض، وبين المطالبة بالإصلاح ومحاولات التخريب، وبين الاختلاف المشروع والدعوة إلى العنف.

إن مواجهة الشائعات تحتاج إلى معلومات واضحة، وخطاب رسمي صادق، وسرعة في توضيح الحقائق، وثقة متبادلة بين مؤسسات الدولة والمواطنين.

أما الوعي الحقيقي، فلا يُبنى بالخوف، بل بالمعرفة، ولا يحميه الصمت، بل تحميه الحقيقة.

مصر لا تحتاج إلى طبول الحرب.. بل إلى وحدة الصف وصدق المسؤولية

بلا نفاق، وبعيدا عن المبالغة في المديح أو جلد الذات، فإن مصر تواجه بالفعل تحديات إقليمية متشابكة، تتطلب قيادة واعية، ومؤسسات قوية، ودبلوماسية نشطة، واقتصادا أكثر قدرة على الصمود، وشعبا يدرك أن أمن وطنه ليس شعارا سياسيا، بل شرط أساسي لحياته ومستقبله.

والوقوف خلف الدولة في أوقات الخطر لا يعني التنازل عن حق النقد أو المطالبة بالإصلاح، بل يعني أن نختلف من أجل الوطن لا أن نضعفه، وأن نطالب بحقوقنا دون أن نمنح خصومنا فرصة لاستغلال أوجاعنا، وأن نتمسك بوحدتنا دون أن نغلق أبواب المراجعة والمحاسبة.

إن مصر ليست جزيرة معزولة عن محيطها، وما يحدث في غزة يؤلمها، وما يجري في السودان يمس أمنها، وما يهدد السعودية ينعكس على محيطها العربي، وما يضطرب في البحر الأحمر يصل أثره إلى اقتصادها، وما يحدث في حوض النيل يمس مستقبل أجيالها.

نحن أمام جسد عربي واحد، تتعدد أعضاؤه، لكن آلامه تتشابك؛ فإذا نزف عضو، تألم الجسد كله، وإذا انهارت دولة، وجدت الدول المجاورة نفسها أمام تداعيات لا تستطيع تجاهلها.

ولذلك، فإن المخرج ليس في تحويل الأشقاء إلى خصوم، ولا في الانجرار إلى حروب لا تخدم إلا من يريدون استنزاف المنطقة، بل في بناء موقف عربي أكثر تماسكا، وتسوية النزاعات بالحوار، وحماية المصالح الوطنية، ورفض فرض الإرادة بالقوة.

كلمة أخيرة

إن الرئيس عبد الفتاح السيسي يواجه مشهدا إقليميا شديد التعقيد، وأي تقييم موضوعي لسياساته يجب أن ينطلق من قراءة دقيقة للوقائع والنتائج، لا من التطبيل ولا من الخصومة المسبقة.

والرهان الحقيقي ليس على شخص وحده، مهما كان موقعه، بل على دولة بمؤسساتها، وجيش بقدراته، وشعب بوعيه، واقتصاد يحتاج إلى مزيد من القوة والعدالة والمرونة.

نعم، مصر تحتاج إلى قيادة تحسن تقدير اللحظة، وإلى جيش يحمي حدودها، وإلى دبلوماسية تصون حقوقها، وإلى مؤسسات تستمع إلى شعبها، وإلى مواطنين يدركون أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى هدم، وأن الوطنية ليست تصفيقا دائما، كما أنها ليست تشكيكا دائما.

فمصر لا تُحمى بالسلاح وحده، ولا بالشعارات وحدها، بل بالوعي والعدل والعمل ووحدة الصف.

وستظل مصر، بتاريخها وشعبها ومؤسساتها، أكبر من أن تختزلها أزمة، وأعمق من أن تهزها شائعة، وأقدر على تجاوز المحن كلما اجتمع أبناؤها على حماية وطنهم، وصيانة حقوقهم، وبناء مستقبل يستحقونه.

حفظ الله مصر، وصان السودان، وحمى السعودية، ورفع المعاناة عن فلسطين، وأطفأ نيران الحروب عن أمتنا العربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى