مقالات

نفرتاري.. الملكة التي أشرقت الشمس من أجلها

بقلم الدكتور /حمدي الدالي

قراءة تاريخية في نقوش المعبد الصغير بأبو سمبل ودلالاتها الحضارية
في قلب أرض النوبة جنوب مصر، وعلى ضفاف بحيرة ناصر، يقف معبد نفرتاري الصغير بأبو سمبل شاهدًا خالدًا على عظمة الحضارة المصرية القديمة، وعلى قصة ملكة استطاعت أن تخلّد اسمها في الحجر، لتظل سيرتها حاضرة بعد آلاف السنين.
ومن بين العبارات التي تُنسب إلى نقوش المعبد، تبرز عبارة ذات دلالة رمزية عميقة:
«من أجل الزوجة الملكية العظمى نفرتاري مِري موت، التي تشرق الشمس من أجلها».
إنها عبارة تختصر جانبًا من مكانة الملكة نفرتاري في عصر الدولة الحديثة، وتكشف عن لغة رمزية استخدمها المصري القديم للتعبير عن الحب الملكي والقداسة والمكانة الرفيعة.
نفرتاري.. زوجة الملك وأيقونة الجمال الملكي:
عاشت الملكة نفرتاري في عهد الملك رمسيس الثاني، أحد أعظم ملوك الأسرة التاسعة عشرة، الذي حكم مصر خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد، واشتهر بمشروعاته المعمارية الكبرى وحملاته العسكرية ونقوشه التي سجّلت إنجازاته.
وقد حملت نفرتاري لقب «الزوجة الملكية العظمى»، وهو لقب يعكس مكانتها في البلاط الملكي. ولم يقتصر حضورها على الحياة الأسرية للملك، بل ظهرت في مشاهد المعابد والنقوش الرسمية، كما ارتبط اسمها بالأنشطة الدينية والاحتفالات الملكية.
أما اسمها «نفرتاري مِري موت»، فيُفهم عادةً بمعنى «نفرتاري، محبوبة الإلهة موت»، وهي إحدى الإلهات المهمات في الديانة المصرية القديمة، وارتبطت بالأمومة والملكية والحماية الإلهية.
المعبد الصغير.. تحفة معمارية في قلب النوبة
أمر رمسيس الثاني بإقامة معبد نفرتاري الصغير في أبو سمبل، بالقرب من معبده الكبير، تكريمًا للملكة وإبرازًا لمكانتها الدينية والملكية. وقد خُصص المعبد لعبادة الإلهة حتحور، إلهة الحب والجمال والموسيقى والأمومة، التي صُوّرت في هيئة بقرة أو امرأة تحمل قرني بقرة يتوسطهما قرص الشمس.
وتتميّز واجهة المعبد بوجود تماثيل ضخمة لرمسيس الثاني ونفرتاري، وقد مُنحت الملكة مكانة بصرية استثنائية؛ إذ جاءت تماثيلها بحجم يقارب حجم تماثيل الملك، على خلاف تقاليد فنية مصرية كثيرة كانت تُظهر الملكة أصغر من الملك.
وهذه المساواة النسبية في الحجم ليست مجرد تفصيل فني، بل تعكس الأهمية التي أراد الملك إبرازها لزوجته في هذا الصرح الديني.
«التي تشرق الشمس من أجلها».. ماذا تعني العبارة؟
لم يكن المصري القديم ينظر إلى الشمس باعتبارها مصدر الضوء والحرارة فحسب، بل رآها رمزًا للحياة والتجدد والنظام الكوني. ولذلك احتلت الشمس مكانة عظيمة في العقيدة المصرية، وارتبطت بآلهة مثل رع وحورس في صور متعددة.
وعندما تُقرأ عبارة مثل «التي تشرق الشمس من أجلها»، فإنها تحمل معنى تكريميًا يتجاوز الوصف المباشر؛ إذ توحي بأن الملكة تحظى بمكانة استثنائية، وأنها جديرة بالنور والازدهار والتجدد.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين المعنى الأدبي الذي توحي به العبارة وبين القراءة الأثرية الدقيقة للنقش؛ فتحديد نصه الأصلي وترجمته الحرفية يحتاج إلى الرجوع إلى صورة النقش أو نشره العلمي، للتأكد من ألفاظه وسياقه وموقعه داخل المعبد.
حتحور ونفرتاري.. لقاء الملكة بالقداسة:
يمثّل ارتباط معبد نفرتاري بالإلهة حتحور جانبًا مهمًا من فهم مكانة الملكة. فقد ارتبطت حتحور بالجمال والموسيقى والفرح والحماية، كما اتخذت في بعض السياقات الدينية صلة وثيقة بالملكات وبفكرة الأمومة الملكية.
ومن خلال النقوش والمناظر الدينية داخل المعبد، تظهر نفرتاري في علاقة بالآلهة، بما يعكس تصور المصري القديم للملك والملكة باعتبارهما جزءًا من نظام ديني وسياسي يستمد شرعيته من رضا الآلهة وحمايتها.
وهكذا لم يكن المعبد مجرد بناء حجري، بل كان فضاءً مقدسًا تُعبَّر من خلاله عن العلاقة بين الحكم والعبادة، وبين الإنسان والعالم الإلهي.
أبو سمبل.. رسالة ملكية عبر الزمن
لم تكن معابد أبو سمبل مجرد استعراض للقوة المعمارية في عصر رمسيس الثاني؛ فقد حملت أيضًا رسائل سياسية ودينية وثقافية. فموقعها في النوبة يعكس أهمية هذه المنطقة في تاريخ مصر، وصلاتها التجارية والاستراتيجية والثقافية بالمناطق الواقعة جنوبها.
ومن خلال المعبد الكبير ومعبد نفرتاري الصغير، قدّم رمسيس الثاني صورة لملكه وعصره، وخلّد اسم زوجته في واحد من أبرز المواقع الأثرية المصرية.
وفي العصر الحديث، واجهت معابد أبو سمبل خطر الغرق بسبب إنشاء السد العالي وارتفاع مياه بحيرة ناصر، فشهدت عملية إنقاذ دولية كبرى بين عامي 1964 و1968، جرى خلالها تقطيع المعابد إلى كتل ونقلها وإعادة تركيبها في موقع مرتفع، لتبقى شاهدًا على عبقرية المصري القديم وجهود الإنسان المعاصر في حماية التراث.

حين يتحول الحب إلى أثر خالد:
إن معبد نفرتاري الصغير في أبو سمبل ليس مجرد أثر من آثار مصر القديمة، بل هو صفحة من تاريخ الملكة والملك والدين والفن في الحضارة المصرية.
أما العبارة التي تصف نفرتاري بأنها «التي تشرق الشمس من أجلها»، فهي تفتح أمامنا بابًا للتأمل في لغة المصري القديم، وكيف استطاع أن يعبّر بالنقش والصورة والعمارة عن معانٍ تتجاوز الزمن.
لقد رحلت نفرتاري منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، لكن اسمها ظل محفورًا في صخور النوبة، وكأن الشمس التي ارتبطت بها العبارة ما زالت تشرق كل صباح على معبدها، لتذكّر العالم بأن الحضارات العظيمة لا تُقاس بما تبنيه من حجارة فحسب، بل بما تتركه من ذاكرة ومعنى وجمال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى