بقلم: د. محمد فكري في عالم تتسارع فيه الأحداث بصورة غير مسبوقة، أصبح من الطبيعي أن تختلف الآراء وتتباين المواقف تجاه القضايا السياسية والاقتصادية والرياضية. ومع هذا التسارع، يظل المبدأ الأهم هو أنَّ الاختلاف في الرأي لا يفسد للوطنية قضية؛ فحب الوطن لا يُقاس بتطابق الآراء، وإنما بالإخلاص في الدفاع عن مصالحه والسعي إلى تقدمه. وقد فرضت بطولة كأس العالم نفسها كواحدة من أكثر الأحداث متابعة على مستوى العالم، حيث لم تعد مجرد منافسة رياضية، بل أصبحت حدثًا يحمل أبعادًا اقتصادية وإعلامية وسياسية كبيرة، تتداخل فيه المصالح والتأثيرات الدولية. وفي هذا السياق، أثارت مباراة منتخب مصر الأخيرة في دور الـ 16 مع الأرجنتين الكثير من الجدل بين الجماهير والمحللين، وتعددت وجهات النظر حول بعض القرارات التحكيمية وإدارة المباراة. ورأى البعض أن هناك أخطاء أثرت في سير اللقاء، بينما اعتبر آخرون أنَّ النتيجة جاءت في إطار طبيعة كرة القدم وما تشهده من نجاح وإخفاق. ومن حق كل مواطن أن يعبر عن رأيه، سواء كان مؤيدًا أو معارضًا، وأن يناقش ما يراه من سلبيات أو إيجابيات، لكن دون أن يتحول الاختلاف إلى تشكيك في وطنية الآخرين أو تخوينهم. فالوطن يتسع للجميع، وقوة الأمم تكمن في قدرتها على إدارة الاختلاف باحترام، لا في فرض رأي واحد. إن الوطنية الحقيقية ليست في الصراخ أو المزايدة، وإنما في العمل والإخلاص، وفي دعم مؤسسات الدولة والمنتخبات الوطنية بالنقد البناء الذي يهدف إلى الإصلاح، لا إلى الهدم. فلنجعل من اختلافنا وسيلة للوصول إلى الأفضل، لا سببًا للفرقة. فحين نجتمع على حب مصر، تصبح آراؤنا المختلفة مصدر قوة وإثراء، ويظل الوطن هو الرابح الأكبر. إن البطولة بالنسبة لنا انتهت بحلوها ومرها، لكننا خرجنا منها بدروس أكبر من مجرد نتيجة مباراة. لقد توحدنا خلف منتخبنا، وفرحنا وحزنا، وتعلمنا أن الرياضة أصبحت ساحة تتجاوز المستطيل الأخضر، وأن كثيرًا من القرارات والأحداث تثير تساؤلات حول العدالة والحياد. ومن حقنا أن نطالب بالشفافية والإنصاف، لكن في الوقت نفسه علينا ألا نهرب من أخطائنا أو نعلق كل أسباب الإخفاق على الآخرين؛ فلدينا أخطاء تستحق المراجعة، وإصلاحها يبدأ من الداخل. وهذه فرصة حقيقية لإعادة تقييم المنظومة الرياضية في مصر على أسس علمية، باعتبار أن الرياضة، إلى جانب التعليم، من أهم أدوات بناء الشخصية المتزنة، وترسيخ قيم الانتماء، وتعزيز تماسك المجتمع. كما أنها فرصة لمراجعة مفهوم الاستثمار الرياضي، حتى يكون قائمًا على الكفاءة والخبرة، لا على المصالح أو الاجتهادات غير المدروسة، مع إعادة تقييم مكانة كرة القدم باعتبارها اللعبة الشعبية الأولى وما تمثله من تأثير كبير في وجدان المصريين. ولا يمكن أن يتحقق ذلك دون مشروع وطني حقيقي لاكتشاف المواهب ورعايتها في جميع المحافظات والقرى والنجوع، بحيث تصبح الفرصة متاحة لكل طفل يمتلك الموهبة، بعيدًا عن أي اعتبارات مادية أو اجتماعية. فالموهبة لا تعرف طبقة، ولا تُولد في الأندية الكبرى وحدها، بل قد تنطلق من مركز شباب صغير أو مدرسة في قرية نائية إذا وجدت من يؤمن بها ويدعمها. كما أن نشر الرياضة يجب أن يكون هدفًا مجتمعيًا، وليس مجرد صناعة للأبطال أو تحقيق البطولات. فالرياضة أسلوب حياة، وأداة لبناء الإنسان السليم بدنيًا ونفسياً وفكريًا، ووسيلة لحماية الشباب من الانحراف، وغرس قيم الانضباط والعمل الجماعي والانتماء. لقد آن الأوان لتحرير الرياضة من الطبقية المادية التي حرمت آلاف الموهوبين من حقهم في المنافسة، وجعلت تكلفة الممارسة عائقًا أمام كثير من الأسر. فالرياضة حق لكل مواطن، وليست امتيازًا لمن يستطيع الدفع، والعدالة الرياضية تبدأ من تكافؤ الفرص قبل أن تبدأ من صافرة الحكم. وفي النهاية، فإن البطولات تُنسى، أما الأوطان فلا تُبنى إلا بالعلم والعدل والإنسان. وإذا أردنا أن يعود اسم مصر دائمًا في مقدمة المشهد الرياضي، فعلينا أن نستثمر في بناء الإنسان قبل المنشآت، وفي الموهبة قبل الشهرة، وفي التخطيط قبل ردود الأفعال. فالأمم العظيمة لا تنتظر جيلاً استثنائيًا يصنع المجد، بل تصنع كل جيل ليكون قادرًا على صناعة المجد.