بعد سنوات صعبة، في زمن ظن فيه العالم أن العرب فقدوا إرادتهم، كان الوطن ينتظر فجرا يمحو عن جَبينه خيبة الانكسار، لم تكن مصر في صمتها مستسلمة، بل كانت ناراً تشتعل، وغضباً يكبر في كل نفس، عاش الجندي على وعد الثأر لا يفارقه، ونام على قسم العبور لا ينساه، كانت سيناء من الأسر تستغيث، والجرح ينزف في كل وادي، والإرادة تعد بيوم الميلاد من جديد.
كانت البداية بعد نكسة قاسية تركت في النفوس جرحاً لا يلتئم إلا بالصبر والإعداد والتخطيط الدقيق، وكان التخطيط خفيةً لا يعلم به إلا الأمين، واستمرت الخطط في صمت رهيب لا تراه العيون، حتى ظن العدو أن الأمر قد استقر، كانت التمويهات تَتلوها التمويهات، وخلفها ترسم ساعة الصفر في الخفاء، كانت كرامة الأمة تصاغ بأيدي الأبطال، وتهيئة للنصر الذي يكسر كيد الأعداء.
في صمت تام، بدأت مصر بناء جيش جديد من رحم الألم، جيش يعرف معنى الثأر للشهداء، ويؤمن أن الأرض لا تسترد إلا بالعزيمة، خلف كل جندي أم تودعه بالدعاء، وزوجة تخفي دموعها في حضن الليل، وطفل لا يعرف إلا أن والده بطل.
وفي السادس من أكتوبر، الثانية ظهرًا، الموافق العاشر من رمضان، شهر “الصوم والطاعة”، جاء النداء الذي انتظرته الأمة “الله أكبر” ترددت في السماء، كأنها نبض الأرض وهي تستعيد حياتها، عبر الأبطال قناة السويس وسط نيران العدو، ولم يكن طريق العبور مفروشًا بالورود، حطموا خط بارليف الذي قيل إنه “لا يُقهر”، وأثبتوا أن الإيمان عندما يُنير القلوب لا تقف أمامه الجبال، كانت المشاهد تروى كأنها من فيلم أسطوري، جنود يركضون وسط الميدان، أعلام تُرفع فوق الأرض، ودموع انتصار تختلط برمال سيناء.
لم يكن هذا الانتصار مجرد مكسب أرض، بل كان استرداداً للكرامة، وتصحيحًا لوضع جغرافي ونفسي ظل مشوها لسنوات، لقد أثبت الجندي المصري أنه قادر على تحويل المستحيل إلى واقع، وأن الإرادة تفوق قوة السلاح.
حرب أكتوبر لم تكن نهايتها مجرد اتفاقية سلام، بل كانت نقطة تحول وضعت أسس جديدة للتعامل في المنطقة، هي قصة تُروى لأجيال، ليس عن القتال وحده، بل عن العزيمة التي ولدت من رحم الألم والشدائد، والتخطيط المحكم الذي حول الأحلام إلى حقائق، إنه يوم استردت فيه الأمة ثقتها بنفسها، وأثبتت أن الوفاء للوطن يستطيع أن يهدم أسواراً ظن العدو أنها خالدة، هي لم تكن حربا فقط، بل كانت نهضة شعب، حرب أكتوبر ليست ذكرى عابرة تُروى كل عام، بل درس خالد في معنى العزيمة، هي حكاية وطن قرر أن يغير قدره بيديه، وأن يكتب سطر المجد بدماء أبنائه، هي القصة التي تُعلم كل جيل أن من يعرف قيمة الأرض لا يتركها إلا حرة.
من صمت الهزيمة إلى فجر الكرامة، هذه هي مصر، التي لا تموت، ولا تنحني، لأنها حين تقول كلمتها تُغير وجه التاريخ.