
بقلم /الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.
لم تكن الفلبين كلها يومًا أرضًا للنفوذ الإسباني، أو الثقافة الغربية كما يتصور كثيرون، بل شهد جنوبها قيام واحدة من أقوى السلطنات الإسلامية البحرية في جنوب شرق آسيا، وهي سلطنة سولو الإسلامية، التي امتد نفوذها عبر البحار والجزر، وربطت العالم الإسلامي بالمحيط الهادئ، وظلت قرونًا طويلة قلعةً من قلاع الإسلام ،والمقاومة، والجهاد ،والثقافة الإسلامية.
وقد مثّلت سلطنة سولو نموذجًا فريدًا لدولة إسلامية بحرية استطاعت أن تجمع بين الدعوة، والتجارة ،والقوة العسكرية، وأن تواجه القوى الاستعمارية الإسبانية ثم الأمريكية بشجاعة نادرة، حتى أصبحت رمزًا للصمود الإسلامي في الفلبين.
أولًا: أين قامت سلطنة سولو؟ وكيف نشأت؟:
قامت سلطنة سولو في أرخبيل سولو جنوب الفلبين، بين جزيرة مينداناو، وشمال بورنيو (صباح الحالية في ماليزيا)، وكانت عاصمتها مدينة جولو (Jolo). وتميز موقعها بأنه يتحكم في طرق التجارة البحرية بين الصين ،والهند ،والعالم الملايوي.
ويذكر المؤرخ سيزار أديب مجول في كتابه “Muslims in the Philippines “أن الإسلام وصل إلى سولو في القرن الرابع عشر الميلادي عن طريق التجار ،والدعاة العرب ،والفرس ،والماليزيين، خاصة القادمين من اليمن ،والهند، ومالقا.
(سيزار أديب مجول:1973م، ص 45).
وقد كان من أوائل الدعاة الذين نشروا الإسلام هناك الشيخ كريم المخدوم، الذي وصل إلى جزيرة سيمونول حوالي سنة 1380م، وبنى أول مسجد إسلامي معروف في الفلبين.
ثم جاء الشريف أبو بكر الهاشمي القادم من جوهور ،أو حضرموت بحسب بعض الروايات ، فتزوج ابنة الحاكم المحلي راجا باغندا، وأسس سلطنة سولو رسميًا حوالي سنة 1450م، وأصبح أول سلاطينها.
ثانيًا: أهم سلاطين سولو وقادتها:
1)الشريف أبو بكر الهاشمي:
يعد المؤسس الحقيقي للسلطنة، وقد وحّد القبائل تحت راية الإسلام، وأقام نظامًا سياسيًا إسلاميًا يعتمد على الشريعة، والبيعة.
ويشير الباحث جيمس وارن:” إلى أن الشريف أبو بكر استطاع تحويل المجتمع من تجمعات قبلية متفرقة إلى دولة بحرية منظمة”.
(جيمس فرانسيس وارن:1980م، ص 32).
2) السلطان معزّ الدين:
شهد عصره توسعًا تجاريًا كبيرًا، وربط السلطنة بعلاقات قوية مع الصين والعالم الإسلامي، وأصبحت سولو مركزًا تجاريًا مهمًا للؤلؤ والتوابل والمنتجات البحرية.
3)السلطان جمال الكرام الأول:
من أبرز سلاطين المقاومة ضد الإسبان، وقاد معارك بحرية عديدة ضد الحملات الاستعمارية الإسبانية في القرن التاسع عشر.
4) السلطان جمال الكرام الثاني:
كان آخر السلاطين ذوي السلطة السياسية الحقيقية، وفي عهده بدأت السيطرة الأمريكية المباشرة على السلطنة بعد اتفاقية كاربنتر سنة 1915م.
ثالثًا: أهم مقومات قوة سلطنة سولو:
1) الموقع الجغرافي الاستراتيجي
كانت السلطنة تسيطر على طرق التجارة البحرية بين الصين ،والهند، وجزر الملايو، مما جعلها مركزًا اقتصاديًا عالميًا.
2)القوة البحرية:
امتلكت سولو أسطولًا بحريًا قويًا، واعتمدت على شعب التاوسوغ المعروف بالشجاعة، والخبرة البحرية.
ويؤكد المؤرخون أن السلطنة كانت من أقوى القوى البحرية الإسلامية في جنوب شرق آسيا.
3) الوحدة الدينية:
كان الإسلام هو الرابط الجامع لشعوب السلطنة، وقد اعتمدت الدولة على القضاء الشرعي ،والتعليم الإسلامي، والمساجد والزوايا.
4)العلاقات الدولية:
أقامت السلطنة علاقات مع الصين، وبروناي، والعالم الملايوي، والدولة العثمانية بشكل غير مباشر عبر شبكات التجارة الإسلامية.
ويذكر المؤرخ روبرت نيكول: أن سلاطين سولو كانت لهم مكانة معتبرة لدى البلاط الصيني.
(روبرت نيكول:1980م، ص 45).
رابعًا: دور السلطنة في خدمة الإسلام:
١)نشر الإسلام في الفلبين:
كانت سولو مركزًا لانطلاق الدعاة إلى مينداناو وجزر الجنوب الفلبيني، حتى أصبحت مناطق واسعة ذات أغلبية مسلمة.
وقد ذكرت اللجنة الوطنية للثقافة، والفنون في الفلبين أن سلطنة سولو كانت مركزًا للتعليم الإسلامي، ونشر الدعوة في جنوب الفلبين.
٢)بناء المساجد والمدارس:
اهتمت السلطنة ببناء المساجد، وتحفيظ القرآن، ونشر الفقه الشافعي ،والعقيدة الأشعرية.
٣)حماية الهوية الإسلامية
قاومت السلطنة محاولات التنصير الإسبانية قرونًا طويلة، وحافظت على هوية المسلمين في الجنوب الفلبيني.
ويؤكد الباحثون أن المسلمين في جنوب الفلبين ظلوا متمسكين بالإسلام رغم أكثر من ثلاثة قرون من الحروب الإسبانية.
خامسًا: ازدهار السلطنة وآثارها الحضارية:
1) النهضة التجارية:
أصبحت سولو من أغنى الموانئ البحرية في المنطقة، خاصة في تجارة اللؤلؤ، والتوابل.
2) التأثير الثقافي الإسلامي:
انتشرت اللغة العربية، والمصطلحات الإسلامية، وتأثرت العادات، والثقافة المحلية بالإسلام.
3)الحفاظ على الهوية الإسلامية حتى اليوم:
لا يزال مسلمو مورو في جنوب الفلبين يحتفظون بجذورهم الإسلامية، ويعدّون سلطنة سولو رمزًا تاريخيًا لهويتهم.
سادسًا: الحروب مع الإسبان، والاستعمار:
بدأت المواجهات مع الإسبان منذ القرن السادس عشر الميلادي، بعد احتلال الإسبان لشمال الفلبين، ومحاولتهم القضاء على الإمارات الإسلامية في الجنوب.
وقد خاضت السلطنة ما يعرف تاريخيًا بـ”حروب المورو”، وهي من أطول حروب المقاومة ضد الاستعمار في آسيا، واستمرت قرونًا.
وكان الإسبان يطلقون على المسلمين اسم “المورو” تشبيهًا لهم بمسلمي الأندلس.
ورغم الحملات العسكرية الضخمة، لم تستطع إسبانيا إخضاع السلطنة بالكامل إلا في أواخر القرن التاسع عشر.
سابعًا: كيف سقطت سلطنة سولو؟:
1) التفوق العسكري الغربي:
امتلك الإسبان ثم الأمريكيون أسلحة حديثة وسفنًا متطورة تفوقت على إمكانات السلطنة.
2) الانقسامات الداخلية:
أدت الصراعات بين بعض الزعماء المحليين إلى إضعاف وحدة السلطنة.
3) السيطرة الأمريكية:
بعد هزيمة أسبانيا سنة 1898م انتقلت الفلبين إلى النفوذ الأمريكي، وبدأت الولايات المتحدة حملة عسكرية عنيفة ضد مسلمي الجنوب.
4)اتفاقية كاربنتر 1915م:
أُجبر السلطان جمال الكرام الثاني على توقيع اتفاقية أنهت السلطة السياسية الفعلية للسلطنة، مع بقاء السلطان رمزًا دينيًا، وشرفيًا.
ثامنًا: أهم الدروس المستفادة من تجربة سلطنة سولو:
أن الإسلام وصل إلى أقصى شرق آسيا بالدعوة، والتجارة، والأخلاق.
أن وحدة العقيدة قادرة على بناء حضارات قوية.
أن المقاومة الإسلامية في الفلبين استمرت قرونًا دفاعًا عن الهوية.
أن الموقع الجغرافي والاقتصاد عنصران أساسيان في قوة الدول.
أن الانقسام الداخلي من أعظم أسباب سقوط الحضارات.
خاتمة:
لقد كانت سلطنة سولو صفحة مشرقة من صفحات التاريخ الإسلامي المنسي، ودولةً عظيمةً حملت راية الإسلام في أقصى الشرق، وربطت بين العالم الإسلامي وآسيا البحرية، ووقفت في وجه الاستعمار الإسباني والأمريكي قرونًا طويلة.
ورغم سقوطها السياسي، فإن آثارها ما زالت حية في هوية مسلمي الفلبين، وفي المساجد والثقافة الإسلامية والشعور العميق بالانتماء إلى الأمة الإسلامية.
وما أحوج الأمة اليوم إلى إعادة اكتشاف هذه النماذج الحضارية التي كتبت التاريخ في الظل، لكنها صنعت مجدًا لا ينسى.
أهم المراجع العربية ،والأجنبية:
1) سيزار أديب مجول، المسلمون في الفلبين، جامعة الفلبين، 1973م.
2) جيمس فرانسيس وارن، منطقة سولو البحرية، جامعة سنغافورة، 1981م.
3) روبرت نيكول، بروناي عبر التاريخ، دار جامعة أوهايو، 1980م.
4) صالح أحمد العلي، تاريخ انتشار الإسلام في جنوب شرق آسيا، دار النهضة العربية، بيروت، 1992م.
5) محمد ضياء الدين الريس، الإسلام في جنوب شرق آسيا، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1985م.
6) أحمد شلبي، موسوعة التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1987م.
7) اللجنة الوطنية للثقافة والفنون بالفلبين – تاريخ المسلمين في الفلبين.
8) موسوعة تاريخ سلطنة سولو.



