دينمقالات

المقال رقم 1 من سِلْسِلَةُ: «سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ: مِيلَادُ أُمَّةٍ وَبِنَاءُ إِنْسَانٍ».

بقلم/الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.

حين بدأ التغيير من الإنسان:
لم تكن أعظم معجزة في السيرة النبوية أن تتغير خريطة الجزيرة العربية فحسب، ولا أن تقوم دولة قوية في المدينة المنورة، وإنما كانت المعجزة الأعمق أن يتغير الإنسان نفسه؛ من إنسان تحكمه العصبية إلى إنسان تحكمه العقيدة، ومن فرد أسير لشهواته إلى إنسان صاحب رسالة، ومن مجتمع تتنازعه الحروب والثأر إلى أمة تحمل مشروعًا حضاريًّا امتد أثره إلى العالم.
لقد جاء النبي محمد ﷺ في بيئة عُرفت بالجاهلية، لا بمعنى انعدام المعرفة تمامًا، فقد كان في العرب شعراء وفصحاء وتجار وأصحاب خبرات، ولكن الجاهلية كانت في منظومة القيم والتصورات والعلاقات؛ حين يُعبد غير الله، ويُظلم الضعيف، وتُقدَّم العصبية على الحق، ويُقاس الإنسان بحسب نسبه، وقوته ،وماله.
فجاء الإسلام ليعيد بناء الإنسان من الداخل قبل أن يعيد بناء المجتمع من الخارج.
قال تعالى:
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾
[آل عمران: 164].
وهنا تتجلى فلسفة التغيير النبوي في ثلاثة مسارات متكاملة:
١)تلاوة وبناء للوعي.
٢ وتزكية وبناء للضمير.
٣)وتعليم وبناء للعقل.
وهذه الثلاثية تمثل اليوم أساسًا لأي مشروع تربوي وحضاري جاد.
أولًا: النبي ﷺ لم يبدأ ببناء الدولة، بل بدأ ببناء الإنسان:
من أهم الدروس التربوية في السيرة أن الرسول ﷺ لم يبدأ مشروعه بإقامة المؤسسات، وإنما بدأ بإعادة تشكيل الإنسان.
فالإنسان هو الذي يصنع المؤسسة، والمؤسسة لا تستطيع أن تكون أفضل من القيم التي يحملها العاملون فيها.
ولهذا كانت المرحلة المكية مرحلة تأسيس للعقيدة والوعي والضمير، وترسيخًا لمعاني التوحيد والصبر والمسؤولية والآخرة والكرامة الإنسانية.
كان السؤال الأول:
من أنت؟ ولمن تنتمي؟ وما رسالتك في الحياة؟
فإذا استقام جواب الإنسان عن هذه الأسئلة، أمكن بعد ذلك أن يُبنى المجتمع.
وهنا يلتقي الهدي النبوي مع أعظم قواعد التنمية الإنسانية المعاصرة: التغيير المستدام يبدأ من الداخل.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
[الرعد: 11].
ثانيًا: من العبودية للبشر إلى العبودية لله:
كان التوحيد هو نقطة الانطلاق الكبرى.
لم يكن قول: لا إله إلا الله مجرد عبارة عقدية، وإنما كان ثورة على كل أشكال الاستعباد الفكري والنفسي والاجتماعي.
فالذي يؤمن بأن الله وحده هو المعبود، وأنه وحده صاحب الأمر المطلق، يتحرر من عبودية المال، والجاه، والقبيلة، والطغيان، والشهوة، ونظرة الناس.
وهكذا صنع النبي ﷺ إنسانًا حرًّا من الداخل.
وهذه الحرية الداخلية من أعظم مقومات الشخصية السوية؛ لأن الإنسان الذي يعيش أسيرًا لرضا الآخرين لا يستطيع أن يصنع حضارة.
ثالثًا: من العصبية إلى الأخوة الإنسانية:
كان الانتماء القبلي أحد أقوى عناصر المجتمع الجاهلي، فجاء الإسلام ليعيد تعريف الانتماء.
قال تعالى:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)،[الحجرات: 10].
وقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
[الحجرات: 13].
لم يُلغِ الإسلام التنوع البشري، ولكنه نقل الإنسان من التعصب للاختلاف إلى التعارف من خلال الاختلاف.
وهذا درس بالغ الأهمية لعالمنا المعاصر الذي يعاني من الصراعات العرقية والطائفية والقومية والحزبية.
رابعًا: من القوة المجردة إلى القوة الأخلاقية:
لم يكن الهدف النبوي صناعة إنسان قوي فحسب، بل صناعة إنسان قوي وأمين وعادل ورحيم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله ﷺ:
«إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق».
(رواه أحمد في مسنده،حديث صحيح )
فالأخلاق في المشروع النبوي ليست هامشًا تجميليًّا، بل هي جوهر الحضارة.
ولهذا نجد القرآن يربط بين الإيمان والسلوك، وبين العبادة والأخلاق، وبين التقوى والعدل.
إن المجتمع الذي يمتلك العلم بلا أخلاق قد يصنع أدوات للدمار، أما المجتمع الذي يجمع العلم والقيم فيستطيع أن يصنع الحضارة.
خامسًا: من إهدار الإنسان إلى تكريمه:
جاء الإسلام ليؤسس قاعدة كبرى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾،[الإسراء: 70].
فالإنسان مكرم من حيث إنسانيته.
ومن هنا جاء الاهتمام باليتيم، والمسكين، والمرأة، والجار، والضعيف، والعامل، والفقير، والأسير.
عن جابر رضب الله عنهما قال :قال: النبي ﷺ:
«خير الناس أنفعهم للناس».
(رواه الطبراني ،حديث حسن )
وهذا معيار حضاري بالغ العمق؛ فالقيمة الحقيقية للإنسان ليست في مقدار ما يملك فقط، وإنما في مقدار ما ينفع به الآخرين.
سادسًا: من الجهل إلى المعرفة:
لم يكن أول الوحي حديثًا عن الثروة أو السلطة، وإنما كان:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾[العلق: 1].
إنها إشارة تربوية عظيمة:
الحضارة تبدأ بالقراءة، والقراءة تبدأ بالوعي، والوعي إذا ارتبط بالإيمان يتحول إلى رسالة.
ولهذا لم يكن التعليم في الإسلام ترفًا، وإنما كان مشروعًا لصناعة الإنسان.
وقد ربّى النبي ﷺ أصحابه على السؤال، والتفكير، والتعلم، وتحمل المسؤولية، ونقل المعرفة.
فخرج من المدرسة النبوية علماء وقادة وقضاة ومربون ودعاة وقادة جيوش، لأن المنهج لم يكن يصنع تابعين، بل كان يصنع شخصيات قادرة على حمل الرسالة.
سابعًا: من الانتقام إلى العفو:
كانت القدرة على الثأر جزءًا من ثقافة القوة في الجاهلية، فجاء النبي ﷺ ليصنع نموذجًا مختلفًا للقوة.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾،[فصلت: 34].
وفي فتح مكة، حين أصبح النبي ﷺ قادرًا على الانتقام ممن آذوه وأخرجوه وحاربوه، ظهر نموذج آخر للقوة: قوة العفو عند المقدرة.
وهنا تتجلى عبقرية التربية النبوية: لم يكن الهدف أن يتحول الإنسان المظلوم إلى ظالم جديد، بل أن يتحول الألم في داخله إلى عدل ورحمة ونضج.
ثامنًا: من الفرد المنعزل إلى الإنسان المسؤول:
لم يصنع النبي ﷺ أفرادًا صالحين منعزلين عن المجتمع، بل صنع إنسانًا مسؤولًا.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال:النبي ﷺ:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».
(رواه البخاري في صحيحه)
فالمسؤولية تبدأ من الفرد، ثم الأسرة، ثم المجتمع، ثم الدولة.
ولهذا فإن الصلاح في المنهج الإسلامي ليس حالة فردية مغلقة؛ بل هو طاقة إصلاح تمتد إلى الحياة.
وهنا نستطيع أن نفهم قوله تعالى:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾
[آل عمران: 110].
فالخيرية ليست شعارًا، وإنما إيمان وسلوك وإصلاح ونفع للناس.
تاسعًا: من مجتمع القبيلة إلى مجتمع الرسالة:
أعاد النبي ﷺ تشكيل المجتمع على أساس جديد.
لم تعد العلاقة قائمة فقط على الدم والنسب، وإنما أصبحت قائمة على العقيدة والأخوة والعقد والمسؤولية المشتركة.
وكانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار نموذجًا تربويًّا واجتماعيًّا فريدًا؛ إذ تحولت القيم من كلمات إلى ممارسة.
فالمهاجر لم يكن مجرد وافد، والأنصاري لم يكن مجرد مضيف، بل أصبحا أخوين في مشروع إنساني واحد.
وهنا درس معاصر مهم:
لا تبنى المجتمعات القوية بمجرد القوانين، وإنما تبنى عندما تتحول القيم إلى علاقات يومية.
عاشرًا: من إنسان مستهلك إلى إنسان صاحب رسالة:
أخطر ما يهدد الإنسان المعاصر أن يتحول إلى مجرد مستهلك: يستهلك المال، والمعلومات، والترفيه، والمحتوى، دون أن يسأل:
ماذا سأقدم للحياة؟

أما التربية النبوية فكانت تصنع إنسانًا يحمل رسالة.
قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
[فصلت: 33].
فالإيمان يتحول إلى عمل، والعمل يتحول إلى أثر، والأثر يتحول إلى حضارة.
الحادي عشر: لماذا نجح المشروع النبوي؟:
يمكن تلخيص سر النجاح النبوي في أربعة مبادئ:
1)بدأ من الإنسان:
لم يبدأ بتغيير الواقع بالقوة، وإنما غيّر الإنسان الذي يستطيع تغيير الواقع.
2)جمع بين الإيمان والعلم:
فلم يكن التدين انفصالًا عن المعرفة، ولم يكن العلم انفصالًا عن القيم.
3) ربط الفرد بالمجتمع:
فالصالح ليس من ينقذ نفسه فقط، وإنما من يسهم في إصلاح مجتمعه.
4) حوّل القيم إلى سلوك:
فالرحمة أصبحت ممارسة، والعدل أصبح نظامًا، والأخوة أصبحت واقعًا، والشورى أصبحت منهجًا، والعلم أصبح مشروعًا.
الثاني عشر: ماذا نتعلم اليوم من المدرسة النبوية؟:
إن أمتنا اليوم لا تحتاج فقط إلى مزيد من الخطابات عن أمجاد الماضي، وإنما تحتاج إلى إعادة اكتشاف المنهج الذي صنع تلك الأمجاد.
نحتاج إلى تربية طفل يعرف قيمته، وشاب يعرف رسالته، وأسرة تعرف مسؤوليتها، ومؤسسة تؤمن بالأمانة، ومجتمع يحترم الإنسان، وعالم يجمع بين المعرفة والأخلاق.
إن استعادة الحضارة لا تبدأ من الحجر، بل من بناء البشر.
ولهذا فإن السؤال الحضاري الحقيقي ليس:
كيف نبني دولة قوية؟
بل:
كيف نبني إنسانًا قويًا بالله، قويًا بالعلم، قويًا بالأخلاق، قويًا بالمسؤولية؟
فإذا وجد الإنسان الصالح، أمكن أن تقوم المؤسسة الصالحة، وإذا قامت المؤسسة الصالحة أمكن أن يتشكل المجتمع القوي، وإذا اجتمع المجتمع القوي قامت الحضارة.
وقفة تربوية:
من أعظم ما نتعلمه من السيرة النبوية أن التغيير الحقيقي ليس انفجارًا لحظيًّا، بل بناءٌ تدريجيٌّ للإنسان.
فالنبي ﷺ لم يطلب من الناس أن يكونوا ملائكة في يوم واحد، وإنما ربّاهم، وصبر عليهم، وعلّمهم، وفتح أمامهم أبواب التوبة، وربط قلوبهم بالله، ثم دفع بهم إلى ميدان الحياة.
وهذه قاعدة تربوية معاصرة:
لا تطلب من الإنسان أن يتغير قبل أن تساعده على أن يفهم لماذا يجب أن يتغير، ولأجل ماذا يتغير، وكيف يستطيع أن يتغير.
أبيات شعرية :
يا سَيِّدَ الخَلْقِ يا نُورًا على الأَمَمِ
يا مَن بَعَثْتَ ضِياءَ الحَقِّ في الظُّلَمِ
مِنْ جَاهِلِيَّةِ قَلْبٍ كَانَ مُنْهَكًا
إلى الحَضَارَةِ صِرْنَا أُمَّةَ القِيَمِ
بَنَيْتَ بِالإِيمَانِ الإِنْسَانَ فَانْطَلَقَتْ
مِنْهُ الحَضَارَةُ فِي عِلْمٍ وَفِي هِمَمِ
وَغَرَّسْتَ الحُبَّ فِي قَلْبِ الأَخِي فَغَدَا
لِلْخَيْرِ نَهْرًا، وَلِلْمَظْلُومِ مُلْتَزِمِ
مَا كُنْتَ تَبْنِي جُدْرَانًا وَلا حَجَرًا
بَلْ كُنْتَ تَبْنِي أُناسًا صَانِعِي قِيَمِ
فَصَلَّى اللهُ مَا هَبَّتْ نَسَائِمُنَا
عَلَيْكَ يَا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ نَمِي
خاتمة: ميلاد أمة يبدأ بميلاد إنسان:
إن أعظم قراءة معاصرة للسيرة النبوية ليست أن نتوقف عند أحداثها التاريخية، وإنما أن نسأل:
كيف صنع محمد ﷺ هذا الإنسان؟
صنعه بالإيمان قبل الشعارات، وبالتزكية قبل السلطة، وبالعلم قبل التقدم المادي، وبالأخلاق قبل النفوذ، وبالمسؤولية قبل الحقوق، وبالرحمة قبل القوة.
وهنا تكمن الرسالة الكبرى:
إن أمة محمد ﷺ لا تستعيد دورها الحضاري بمجرد استحضار أمجادها، وإنما باستعادة المنهج الذي صنع الإنسان الذي حمل تلك الأمجاد.
فإذا أردنا نهضة حقيقية، فلنبدأ من المدرسة، ومن الأسرة، ومن المسجد، ومن الجامعة، ومن المؤسسة، ومن الإعلام، ومن كل مساحة يمكن أن نصنع فيها إنسانًا جديدًا.
إن ميلاد الأمة يبدأ بميلاد الإنسان،
وميلاد الإنسان يبدأ بتصحيح علاقته بالله،
ثم بنفسه،
ثم بالآخرين،
ثم بالحياة.
وهكذا انتقل الإنسان في المدرسة المحمدية:
من الجاهلية إلى الإيمان،
ومن الفوضى إلى النظام،
ومن العصبية إلى الأخوة،
ومن الجهل إلى العلم،
ومن الأنانية إلى المسؤولية،
ومن القوة المجردة إلى القوة الأخلاقية،
ومن الفرد إلى الأمة،
ومن الإنسان المستهلك إلى الإنسان الرسالي،
ومن الجاهلية إلى الحضارة.
وهذه هي إحدى أعظم رسائل السيرة النبوية للعالم المعاصر:
إذا أردت أن تغيّر العالم، فابدأ ببناء الإنسان.
المراجع العرببة :
١)القرآن الكريم..
٢)البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري.
٣)مسلم بن الحجاج. صحيح مسلم.
٤)ابن هشام، عبد الملك. السيرة النبوية.
٥)ابن كثير، إسماعيل بن عمر. السيرة النبوية.
٦)ابن كثير، إسماعيل بن عمر. تفسير القرآن العظيم.
٧)ابن القيم، محمد بن أبي بكر. زاد المعاد في هدي خير العباد.
٨)المباركفوري، صفي الرحمن. الرحيق المختوم.
٩)الغزالي، محمد. فقه السيرة.
١٠)القرضاوي، يوسف. السنة مصدرًا للمعرفة والحضارة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى