في تاريخ الأمم والشعوب، لا تُقاس الثورات فقط بما تُحدثه من تغيير في السلطة، وإنما بما تتركه من أثر في بنية الدولة ووجدان المجتمع. وفي التاريخ المصري الحديث، تبقى ثورة 23 يوليو 1952 وثورة 30 يونيو 2013 محطتين مفصليتين، لكل منهما ظروفها وأسبابها وأهدافها، إلا أنهما تلتقيان في هدف رئيسي هو إنقاذ الدولة المصرية وإعادة صياغة مستقبلها وفق متطلبات كل مرحلة.
وبين الثورتين أكثر من ستة عقود، شهدت مصر خلالها تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، لكن الثابت أن كل ثورة جاءت استجابة لواقع فرض ضرورة التغيير، وقادها رجال حملوا مسؤولية تاريخية في لحظات فارقة، يتقدمهم الزعيمان جمال عبدالناصر في يوليو، والرئيس عبدالفتاح السيسي في يونيو.
مقدمات ثورة 23 يوليو.. وطن يبحث عن الاستقلال
لم تكن ثورة 23 يوليو وليدة ليلة واحدة، بل جاءت نتيجة تراكمات طويلة من الأزمات التي عاشتها مصر في النصف الأول من القرن العشرين.
فقد كانت البلاد تخضع لنفوذ الاحتلال البريطاني، بينما عانت الحياة السياسية من الفساد وتضارب المصالح، وسيطرة الإقطاع على الأراضي الزراعية، واتساع الفجوة بين طبقات المجتمع، فضلاً عن ضعف المؤسسة العسكرية الذي كشفته هزيمة حرب فلسطين عام 1948، وهو ما ولّد شعوراً عاماً بضرورة التغيير.
في هذا المناخ، تشكل تنظيم “الضباط الأحرار”، بقيادة مجموعة من شباب الجيش، ليقودوا حركة تاريخية انتهت بإسقاط النظام الملكي وإعلان الجمهورية، إيذاناً ببدء مرحلة جديدة في تاريخ مصر.
عبدالناصر.. قائد مشروع الدولة الوطنية
برز اسم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بوصفه القائد السياسي لثورة يوليو، بعدما نجح في تحويل حركة عسكرية إلى مشروع وطني متكامل.
وخلال سنوات حكمه، تبنى عبدالناصر سياسات هدفت إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، فأصدر قانون الإصلاح الزراعي، ووسع مجانية التعليم، وأنشأ قاعدة صناعية كبيرة، وأمم قناة السويس، وقاد مشروع السد العالي، كما رسخ فكرة استقلال القرار الوطني، ودعم حركات التحرر في الوطن العربي وإفريقيا.
ورغم ما واجهته التجربة من تحديات وانتقادات، خاصة بعد نكسة يونيو 1967، فإن كثيراً من الباحثين يرون أن ثورة يوليو وضعت الأساس لبناء الدولة المصرية الحديثة بمفهومها الوطني.
مكتسبات يوليو.. إنجازات صنعت مرحلة
حققت ثورة يوليو العديد من المكاسب التي شكلت تحولاً في المجتمع المصري، أبرزها:
إنهاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية.
القضاء على الإقطاع وإعادة توزيع الأراضي الزراعية.
ترسيخ مبدأ العدالة الاجتماعية.
التوسع في التعليم المجاني والرعاية الصحية.
بناء قاعدة صناعية وطنية.
تأميم قناة السويس واستعادة السيادة على مقدرات الدولة.
تعزيز دور مصر الإقليمي والدولي.
وقد ظلت هذه الإنجازات تمثل مرجعاً أساسياً في تقييم تجربة يوليو، رغم اختلاف الرؤى حول بعض ممارساتها السياسية.
الطريق إلى 30 يونيو.. الدولة في مواجهة الفوضى
بعد ثورة 25 يناير 2011 دخلت مصر مرحلة انتقالية اتسمت بالتقلبات السياسية والاقتصادية، قبل أن يصل تنظيم الإخوان إلى الحكم في عام 2012.
وخلال عام واحد، تصاعدت حالة الاستقطاب السياسي، وخرجت ملايين التوقيعات ضمن حملة “تمرد”، مطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة، في ظل مخاوف متزايدة من انهيار مؤسسات الدولة، واتساع رقعة العنف، وتراجع مؤشرات الاقتصاد والأمن.
وفي الثلاثين من يونيو 2013، خرج ملايين المصريين في مختلف المحافظات، في واحدة من أكبر الحشود الشعبية في تاريخ البلاد، مطالبين بتصحيح المسار وإنهاء الأزمة السياسية.
السيسي.. من الاستجابة للإرادة الشعبية إلى بناء الجمهورية الجديدة
في تلك اللحظة الفارقة، أعلن الفريق أول آنذاك عبدالفتاح السيسي، وزير الدفاع، انحياز القوات المسلحة لإرادة الشعب، وأعلن في الثالث من يوليو 2013 خارطة طريق لإدارة المرحلة الانتقالية.
ومنذ توليه رئاسة الجمهورية، تبنى الرئيس السيسي مشروعاً واسعاً لإعادة بناء الدولة، ارتكز على استعادة الأمن، وتحديث البنية التحتية، وإطلاق مشروعات قومية كبرى، وتطوير شبكة الطرق، وإنشاء المدن الجديدة، والتوسع في برامج الحماية الاجتماعية، وإطلاق مبادرة “حياة كريمة”، إلى جانب تحديث القوات المسلحة وتعزيز قدرات الدولة في مواجهة الإرهاب.
ويصف مؤيدو هذه المرحلة بأنها مرحلة تأسيس الجمهورية الجديدة، بينما يرى آخرون أن تقييمها يظل مرتبطاً بقدرة هذه المشروعات على تحقيق التنمية المستدامة وتحسين مستوى معيشة المواطنين على المدى الطويل.
بين عبدالناصر والسيسي.. اختلاف الأزمنة ووحدة الهدف
يصعب إجراء مقارنة مباشرة بين الرئيسين جمال عبدالناصر وعبدالفتاح السيسي، لأن كلاً منهما قاد الدولة في ظروف تاريخية مختلفة.
فعبدالناصر واجه تحديات التحرر الوطني وبناء الدولة بعد الاستعمار، بينما واجه السيسي تحديات الحفاظ على الدولة الوطنية في ظل الإرهاب، والانقسام السياسي، والاضطرابات الإقليمية، والأزمات الاقتصادية العالمية.
لكن ثمة قاسماً مشتركاً بين التجربتين يتمثل في الاعتماد على مؤسسات الدولة، وإعلاء فكرة الدولة الوطنية، والسعي إلى تنفيذ مشروعات كبرى اعتبرها كل منهما ضرورة لمستقبل البلاد، وإن اختلفت الأدوات والظروف.
ثورتان… ومسيرة وطن
يبقى التاريخ شاهداً على أن الأمم تمر بمحطات فاصلة تعيد تشكيل حاضرها ومستقبلها. وقد مثلت ثورة 23 يوليو بداية بناء الجمهورية المصرية الحديثة، بينما مثلت ثورة 30 يونيو محطة لإعادة تثبيت مؤسسات الدولة وبدء مرحلة جديدة من البناء والتطوير.
وبين يوليو ويونيو، تتواصل مسيرة وطن ظل عبر تاريخه قادراً على تجاوز الأزمات، مستنداً إلى إرادة شعبه، وقوة مؤسساته، وإيمانه بأن الدولة المصرية كانت وستظل الركيزة الأساسية للاستقرار والتنمية وصناعة المستقبل.