دينمقالات

المقال الثاني من سلسلة: «سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ: مِيلَادُ أُمَّةٍ وَبِنَاءُ إِنْسَانٍ».

بقلم/الدكتور عيد كامل حافظ النوقي.

حين تتحول الرحمة إلى مشروع حضاري:
لم يأتِ سيدنا محمد ﷺ ليبني مجتمعًا تحكمه القوانين وحدها، ولا أمةً تتماسك بالخوف والقوة، وإنما جاء بمنظومة تربوية متكاملة تجعل الرحمة أساسًا للعلاقة بين الإنسان وربه، وبين الإنسان وأخيه، وبين الفرد ومجتمعه.
وقد لخَّص القرآن الكريم الرسالة المحمدية في قوله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
[الأنبياء: 107].
فالرحمة في المنهج النبوي ليست شعورًا عابرًا، ولا ضعفًا في الشخصية، ولا تنازلًا عن الحق؛ بل هي قوة أخلاقية وتربوية واجتماعية تضبط القوة بالعدل، والعقوبة بالإصلاح، والاختلاف بالأدب، والتربية بالحكمة، والعلاقات الإنسانية بالإحسان.
ومن هنا يمكن القول: إن المجتمع الذي تتراجع فيه الرحمة، تتسع فيه دوائر القسوة والعنف والتنمر والخصومة والتفكك؛ أما المجتمع الذي تصبح الرحمة فيه ثقافةً، وسلوكًا، ومؤسسةً، فإنه يقترب من الأمن النفسي والاجتماعي والحضاري.
أولًا:الرحمة كانت جوهر الشخصية النبوية:
وصف الله تعالى نبيه ﷺ بقوله:
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾،[التوبة: 128].
إنها شخصية تشعر بآلام الناس، وتحمل همومهم، وتسعى إلى هدايتهم وإصلاحهم.
وقال تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾
[آل عمران: 159].
فاللين هنا ليس مجرد أسلوب اجتماعي، بل وسيلة تربوية عظيمة؛ إذ إن الإنسان قد يرفض الفكرة إذا قُدِّمت إليه بعنف، لكنه قد يفتح قلبه لها حين تقدم إليه بالحكمة والرحمة.
وهذه قاعدة تربوية معاصرة شديدة الأهمية:
القلب الذي يشعر بالأمان يكون أكثر استعدادًا للتعلم والتغيير والإصلاح.
ثانيًا: الرحمة النبوية وبناء الأمن النفسي:
من أعظم احتياجات الإنسان أن يشعر بأنه مقبول ومحترم وآمن.
وقد كان النبي ﷺ يربي أصحابه على هذا المعنى، فلم يكن يحطم المخطئ، ولا يفضحه، ولا يحوّل الخطأ إلى وصمة دائمة.
ومن أشهر المواقف ما رواه البخاري ومسلم في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، فقام بعض الصحابة إليه، فقال النبي ﷺ:
«دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ…»
ثم علَّمه برفق.
والدرس التربوي هنا عظيم:
علاج الخطأ لا يعني تحطيم الإنسان.
وهذا من أهم ما تحتاجه الأسرة والمدرسة والمجتمع اليوم؛ فهناك فرق بين أن تقول للطفل: لقد أخطأت، وبين أن تقول له: أنت فاشل.
الأولى تصحح السلوك، والثانية تهدم الشخصية.
ثالثًا: الرحمة في تربية الأبناء:
كان النبي ﷺ رحيمًا بالأطفال، قريبًا منهم، يعرف احتياجاتهم النفسية والعاطفية.
قال ﷺ:
«مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ»(رواه البخاري ومسلم).
وقال ﷺ:
«لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا»(رواه الترمذي،حديث صحيح).
والتربية النبوية لا تجعل الطفل مجرد متلقٍّ للأوامر، وإنما إنسانًا له مشاعر واحتياجات وكرامة.
ولهذا فإن الأب الرحيم لا يعني الأب المتساهل، والأم الرحيمة لا تعني الأم التي تلغي الحدود؛ وإنما الرحمة تعني:
أن أصحح دون إهانة.
أن أعاقب عند الحاجة دون انتقام.
أن أسمع قبل أن أحكم.
أن أفهم قبل أن ألوم.
أن أربي بالقدوة قبل الكلام.
أن أجعل البيت مكانًا للأمان لا للخوف.
رابعًا: الرحمة بين الزوجين أساس استقرار الأسرة:
قال الله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾،[الروم: 21].
لقد جعل القرآن الرحمة من أعمدة العلاقة الزوجية.
فالزواج ليس عقدًا قانونيًا فقط، بل علاقة إنسانية تحتاج إلى الصبر والتغافل والاحتواء والتسامح.
وفي الهدي النبوي يقول ﷺ:
«خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»
(رواه الترمذي).
ومن هنا فإن الأسرة التي تسودها الرحمة تنتج أبناء أكثر أمنًا واتزانًا، بينما الصراخ والإهانة والعنف المستمر قد يحول البيت من مؤسسة للتنشئة إلى مصدر للخوف والاضطراب.
خامسًا: الرحمة بالمجتمع كله:
لم تكن رحمة النبي ﷺ مقتصرة على أصحابه وأهل بيته، وإنما امتدت إلى الضعفاء والفقراء والمساكين والأيتام والمرضى والخدم وحتى الحيوان.
قال ﷺ:
«الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»
(رواه الترمذي وأبو داود).
وهنا تتحول الرحمة من قيمة فردية إلى ثقافة مجتمعية.
فحين يرحم الغني الفقير، والقوي الضعيف، والكبير الصغير، والصحيح المريض، والعالم المتعلم، والمسؤول المواطن، تتحول الرحمة إلى شبكة أمان اجتماعي.
سادسًا: الرحمة لا تعني إلغاء العدل:
من الأخطاء الشائعة أن يظن البعض أن الرحمة تعني التساهل مع الظلم أو السكوت عن الخطأ.
والحقيقة أن الإسلام جمع بين الرحمة والعدل.
قال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾،[النحل: 90].
فالرحمة الحقيقية لا تحمي المعتدي من الإصلاح، ولا تترك المظلوم بلا إنصاف.
ولهذا فالمنهج النبوي يبني مجتمعًا:
رحيمًا بلا ضعف، وعادلًا بلا قسوة، وحازمًا بلا ظلم.
وهذه معادلة حضارية يحتاج إليها عالمنا المعاصر بشدة.
سابعًا: الرحمة علاج للعنف والتنمر والكراهية:
من أخطر مظاهر القسوة المعاصرة: التنمر، والعنف الأسري، وخطاب الكراهية، والسخرية من الآخرين، وإقصاء المختلف.
وقد نهى القرآن عن السخرية والتنابز بالألقاب فقال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾
[الحجرات: 11].
إن الرحمة النبوية تبني الإنسان على احترام كرامة الآخر، مهما اختلف معه في الرأي أو الثقافة أو المكانة الاجتماعية.
ومن هنا ينبغي أن تنتقل الرحمة من الوعظ النظري إلى برامج عملية في المدارس والجامعات والمؤسسات، من خلال:
التربية على التعاطف، وإدارة الغضب، والحوار، وقبول الاختلاف، ومساعدة الضعفاء، ومواجهة التنمر.
ثامنًا: الرحمة بالحيوان، والطبيعة:
بلغت الرحمة النبوية مستوى يجعل الإنسان مسؤولًا حتى عن الحيوان.
قال ﷺ:
«فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ»
(رواه البخاري ومسلم).
وفي قصة الرجل الذي سقى كلبًا فغفر الله له، بيان عظيم لاتساع دائرة الرحمة.
وهذا يفتح أمام التربية الإسلامية مفهومًا مهمًا هو:
الرحمة البيئية.
فالإنسان الذي يتعلم الرحمة بالمخلوقات، سيكون أكثر استعدادًا للرحمة بالإنسان، وأكثر وعيًا بمسؤوليته تجاه الأرض والبيئة.
تاسعًا: الرحمة النبوية في إدارة الأزمات:
حين اشتدت الأزمات في المجتمع النبوي، لم يكن الرسول ﷺ يواجهها بمنطق الانفعال، وإنما بالحكمة والصبر واحتواء النفوس.
وهذا درس للقادة والمسؤولين وأصحاب المؤسسات:
في الأزمات، يحتاج الناس إلى قائد يمنحهم الثقة قبل أن يمنحهم الأوامر.
فالقيادة الرحيمة لا تعني القيادة الضعيفة، بل تعني القيادة التي ترى الإنسان قبل المشكلة، وتبحث عن الإصلاح قبل العقوبة، وعن جمع القلوب قبل كسب المعركة.
عاشرًا: من الرحمة الفردية إلى الحضارة:
إن أعظم ما يمكن أن نتعلمه من الرحمة النبوية أنها ليست فضيلة شخصية فحسب، بل مشروع حضاري.
فإذا تربى الطفل على الرحمة، أصبح شابًا رحيمًا.
وإذا أصبح الشاب رحيمًا، أصبح الزوج والأب والمعلم والمسؤول أكثر إنسانية.
وإذا انتشرت الرحمة في الأسرة، قلَّ العنف.
وإذا انتشرت في المدرسة، تراجع التنمر.
وإذا انتشرت في المجتمع، تقوّت الثقة.
وإذا انتشرت في القيادة، أصبح الحكم أقرب إلى العدل والإصلاح.
وهكذا تبدأ الحضارة من تغيير الإنسان من الداخل.
الحادي عشر :ومضة تربوية:
ليست الرحمة أن تعطي ابنك كل ما يريد، وإنما أن تعطيه ما يحتاج.
وليست الرحمة أن تسكت عن خطئه، وإنما أن تعلّمه كيف يصلحه.
وليست الرحمة أن تمنع عنه كل ألم، وإنما أن تساعده على أن يتعلم من الألم.
وليست الرحمة أن توافق الناس دائمًا، وإنما أن تختلف معهم دون أن تهدم كرامتهم.
هذه هي الرحمة التي تصنع الإنسان، والإنسان هو الذي يصنع الحضارة.
أبيات شعرية:
رَحْمَةُ المُصْطَفَى فِي الأَرْضِ نُورٌ
وَبِهَا يَحْيَا مِنَ الإِحْسَانِ دَوْرُ
هُوَ نَبْعُ الحُبِّ فِي قَلْبِ البَرَايَا
وَبِهَدْيِ المُصْطَفَى يَسْمُو المَسَارُ
لَيْسَتِ الرَّحْمَاتُ ضَعْفًا فِي حَيَاتِنَا
بَلْ قُوًى تَحْمِي الضَّعِيفَ مِنَ الدَّمَارِ
مَنْ يُرَبِّي النَّشْءَ بِالحُبِّ وَوُدٍّ
يَصْنَعِ الإِنْسَانَ فِي أَجْمَلِ دَارِ
فَازْرَعِ الرَّحْمَةَ فِي كُلِّ القُلُوبِ
تَرَ أَمْنَ الأَرْضِ يَجْرِي كَالأَنْهَارِ
وَاجْعَلِ الهَدْيَ النَّبَوِيَّ طَرِيقًا
تَسْتَعِدْ أُمَّتُنَا مَجْدَ الحَضَارِ
خاتمة: أمة الرحمة:
لقد كان سيدنا محمد ﷺ رحمةً تمشي على الأرض؛ يحنو على الصغير، ويوقر الكبير، ويواسي المكلوم، وينصف المظلوم، ويرحم الضعيف، ويعفو عند المقدرة، ويعلّم المخطئ، ويجمع القلوب على الخير.
وإذا كانت الأمة اليوم تبحث عن الأمن الاجتماعي، والاستقرار الأسري، والسلام النفسي، ومواجهة العنف والكراهية؛ فإنها بحاجة إلى إعادة اكتشاف الرحمة النبوية بوصفها منهج حياة، لا مجرد سيرة تُروى ومواقف تُحكى.
إن بناء المجتمع الآمن يبدأ من سؤال بسيط وعميق:
كم مقدار الرحمة التي يحملها الإنسان في قلبه، ويترجمها في سلوكه؟
فإذا صلحت الرحمة في القلوب، صلحت العلاقات، وإذا صلحت العلاقات، صلحت الأسرة، وإذا صلحت الأسرة، صلح المجتمع.
وهكذا كان ميلاد محمد ﷺ ميلادَ أمةٍ وبناءَ إنسان.
رسالة المقال:
لن نبني مجتمعًا آمنًا بكثرة القوانين وحدها، وإنما نبنيه بإنسانٍ يخاف الله، ويحترم الإنسان، ويرحم الضعيف، ويعفو عند المقدرة، ويجعل من الهدي النبوي منهجًا للحياة.
اللهم ارزقنا قلبًا رحيمًا، وخلقًا كريمًا، وهديًا نبويًا، واجعلنا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، ورحماء بخلقك أجمعين.
المراجع العربية :
١)القرآن الكريم.
٢)صحيح البخاري.
٣)صحيح مسلم.
٤)سنن الترمذي.
٥)سنن أبي داود.
٦)تفسير الطبري: جامع البيان.
٧)تفسير ابن كثير: تفسير القرآن العظيم.
تفسير القرطبي: الجامع لأحكام القرآن.
٨)السيرة النبوية – ابن هشام.
٨)زاد المعاد في هدي خير العباد – ابن القيم.
٩)الشمائل المحمدية – الإمام الترمذي..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى