مقالات

ليس سقوط الدولار:إنها بداية نهاية احتكاره 

صفاء دعبس 

لمن يراقب المشهد المالي العالمي من بعيد، قد يبدو الحديث عن تراجع الدولار مبالغا فيه فالعملة الأمريكية ما زالت تتربع على قمة النظام النقدي العالمي، ولا توجد عملة أخرى قادرة، بمفردها، على انتزاع هذا الموقع.

لكن الاقتصاد لا يتحرك دائمًا بـ الانهيارات المفاجئة أحيانا تبدأ التحولات الكبرى عندما يتوقف العالم عن الاعتماد على شيء واحد كما كان يفعل من قبل.

وهذا تحديدا ما يحدث مع الدولار.

الدولار لا يسقط، ولا توجد مؤشرات جدية على نهايته القريبة. بل إن أحدث بيانات الاحتياطيات الرسمية أظهرت ارتفاع حصته إلى نحو 57.13% في الربع الأول من 2026. لكن هذا الرقم لا يلغي الصورة الأكبر: البنوك المركزية تنوع احتياطياتها، والذهب يستعيد مكانته، والصين توسع استخدام اليوان، ودول عديدة تبحث عن تسوية جزء من تجارتها بـ عملاتها المحلية.

إذن، المعركة ليست على إسقاط الدولار، وإنما على تقليل الحاجة إليه.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية على الهيمنة الأمريكية.

فالعملة تصبح قوية عندما يحتاج إليها الآخرون. وكلما زادت البدائل، حتى لو كانت محدودة، تراجعت درجة الاحتكار.

الذهب مثال واضح. فشراء البنوك المركزية للذهب لا يعني أنها قررت التخلص من الدولار، وإنما يعني أنها لا تريد وضع كل احتياطياتها في أصل واحد. وفي عالم تزداد فيه المخاطر الجيوسياسية، أصبح الذهب بالنسبة إلى بعض الدول وسيلة لتنويع الاحتياطيات وتقليل التعرض للمخاطر السياسية والمالية ثم جاءت تجربة العقوبات على روسيا لتضيف سؤالًا جديدًا إلى حسابات البنوك المركزية: ماذا يحدث عندما تتحول الأصول والاحتياطيات إلى جزء من الصراع الجيوسياسي؟

بالنسبة لواشنطن، العقوبات أداة ضغط فعالة. وبالنسبة لدول أخرى، أصبحت التجربة درسًا في ضرورة امتلاك بدائل.

الصين بدورها لا تحتاج إلى إسقاط الدولار حتى تحقق مكسبًا استراتيجيًا. يكفي أن تجعل اليوان أكثر حضورًا في التجارة والاستثمار والتمويل، وأن تبني بنية مالية تسمح بتسوية مزيد من المعاملات بعيدًا عن القنوات الدولارية. أما بريكس، فالمسألة الأهم ليست «عملة موحدة» كما تصورها بعض العناوين، وإنما بناء طرق دفع وتمويل تسمح للدول الأعضاء باستخدام عملاتها المحلية وتقليل الاعتماد على الدولار في بعض المعاملات.

وهنا يجب التوقف أمام نقطة مهمة:

البديل عن الدولار ليس بالضرورة عملة واحدة.

قد يكون البديل شبكة كاملة من العملات والأصول وأنظمة الدفع.

الدولار، واليورو، واليوان، والذهب، والعملات المحلية، وأنظمة الدفع الإقليمية؛ كلها يمكن أن تشكل معًا نظامًا أكثر تعددًا من النظام الذي عرفناه خلال العقود الماضية.

لكن هل يعني ذلك أن الدولار فقد قوته؟

بالتأكيد لا.

فالدولار لا يزال يمتلك أكبر ميزة يصعب على منافسيه تقليدها: منظومة مالية كاملة.

اقتصاد أمريكي ضخم، أسواق مالية عميقة، سيولة هائلة، سوق سندات حكومية ضخمة، وانتشار واسع في التجارة والتمويل والمدفوعات.

ولهذا فإن استبدال الدولار ليس قرارًا سياسيًا يصدر في قمة دولية، وإنما مشروع اقتصادي يحتاج إلى بديل قادر على توفير السيولة والثقة والاستقرار والحجم نفسه.

وهذا البديل غير موجود حتى الآن.

لذلك فإن السيناريو الأكثر واقعية ليس «عالم ما بعد الدولار»، وإنما عالم أقل اعتمادًا على الدولار.

وهذا فرق هائل.

فإذا كان الدولار سيظل العملة الأولى، لكن حصته من الاحتياطيات تتراجع تدريجيًا، وإذا أصبحت التجارة بالعملات المحلية أكثر انتشارًا، وإذا استمر الذهب في الصعود، وإذا نجحت أنظمة الدفع البديلة، فإن الولايات المتحدة ستظل قوية، لكن أدوات نفوذها المالي لن تكون بالقوة نفسها التي اعتادت عليها.

بالنسبة لمصر، لا تبدو القضية معركة بين الدولار واليوان بقدر ما هي فرصة لتنويع الخيارات.

فالتخلي عن الدولار ليس واقعيًا، لكن امتلاك بدائل في التجارة والتمويل وإدارة الاحتياطيات يمكن أن يمنح الاقتصاد المصري مساحة أكبر للمناورة في عالم يتغير.

في النهاية، الدولار لا يموت غدًا، ولا توجد عملة تستعد لدفنه.

لكن شيئًا أهم يحدث بهدوء:

العالم يتعلم كيف يحتاج إلى الدولار بدرجة أقل.

وهنا تحديدًا تبدأ نهاية الاحتكار.

ليس سقوط الدولار.. إنها بداية نهاية احتكاره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى