سياحه وآثارسياسةمقالاتمنوعات

من القطائع إلى الفسطاط والقاهرة الفاطمية.. رحلة أئمة الأزهر الوافدين في قلب الحضارة المصرية

محمد شعيب

بين جدرانٍ تحمل ذاكرة قرون، ومآذنَ تعلو فوق أحياءٍ شهدت تعاقب الحضارات، بدأ نحو 50 إمامًا وواعظًا وافدًا رحلةً في قلب القاهرة التاريخية، لم تكن مجرد جولة سياحية، بل رحلةً لاكتشاف صفحات متداخلة من التاريخ المصري، والتعرف عن قرب على العمارة الإسلامية والقبطية، وما تحمله من شواهد على التنوع الثقافي والديني الذي تشكلت من خلاله ملامح القاهرة عبر العصور.

ومن جامع أحمد بن طولون إلى الكنيسة المعلقة وكنيسة مار جرجس، ثم إلى جامع عمرو بن العاص وجامع الحاكم بأمر الله، تنقل الأئمة والوعاظ الوافدون بين محطات تختصر جانبًا مهمًا من تاريخ مصر؛ فهنا مدينة القطائع التي أسسها أحمد بن طولون، وهناك الفسطاط التي ارتبط اسمها بمرحلة دخول الإسلام إلى مصر، ثم القاهرة الفاطمية التي تركت بصمتها الواضحة في العمارة والفنون والسياسة.

نظمت أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ وباحثي الفتوى هذه الرحلة السياحية بمشاركة أئمة وافدين من تسع جنسيات، في إطار يجمع بين التعريف بالحضارة المصرية وتعزيز التواصل بين الثقافات ودعم حركة السياحة، وإبراز صورة مصر باعتبارها بلدًا للتاريخ والتنوع والتعايش.

وقال الدكتور محمد الجزيري أستاذ قسم التاريخ والحضارة بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر الشريف: إن الرحلة تأتي في إطار ترسيخ قيم التنوع واحترام اختلاف الثقافات، والتعريف بالثقافة والتاريخ المصري العريق، إلى جانب دعم حركة السياحة وإيصال رسالة إلى العالم بأن مصر واحة للسلام والأمان.

وخلال الجولة، استعرض الدكتور محمد الجزيري تاريخ عدد من الجوامع والكنائس التي شملتها الزيارة، متوقفًا عند تفاصيل معمارية وحكايات تاريخية ارتبطت بهذه المواقع. كما أشار إلى أن زيارة آثار السابقين والتأمل فيها تفتح بابًا للتعرف على سنن الله في خلقه، وهو ما يحث عليه القرآن الكريم.

وهكذا تحولت الرحلة من زيارة لمعالم أثرية إلى درس مفتوح في التاريخ والعمارة والجغرافيا والسياسة والتنوع الديني؛ إذ لم تعد المباني مجرد جدران وأحجار، وإنما أصبحت شواهد حية على مراحل متعاقبة من تاريخ مصر.

جامع أحمد بن طولون.. حين تقود العمارة إلى ذاكرة مدينة القطائع

من هنا بدأت الرحلة؛ من جامع لا يقف بوصفه مبنى دينيًا فحسب، وإنما بوصفه بوابة إلى مدينة كاملة اندثرت معظم معالمها وبقي الجامع شاهدًا عليها. ففي محيط هذا البناء الواسع، يمكن للزائر أن يتخيل ملامح مدينة القطائع، ثالث عاصمة لمصر الإسلامية، قبل أن تنتقل مركزية الحكم إلى القاهرة.

ويُعد جامع أحمد بن طولون ثاني أقدم جامع باقٍ في مصر الإسلامية، وثالث جامع أُنشئ في تاريخ مصر الإسلامية، بعد جامع عمرو بن العاص وجامع العسكر الذي لم يبقَ منه بناء قائم حتى اليوم.

كما يتميز الجامع باتساع مساحته، ويُعد من أبرز النماذج المعمارية الباقية من العصر الطولوني.

ويرتبط الجامع بمدينة القطائع، ثالث عاصمة لمصر الإسلامية بعد الفسطاط والعسكر، وقبل القاهرة التي أصبحت لاحقًا العاصمة الرابعة والأخيرة.

وقد أنشأ أحمد بن طولون، الوالي والقائد التركي، مدينة القطائع لتكون مركزًا جديدًا للحكم والإدارة. ويرتبط اسم المدينة بنظام توزيع الأراضي على الفرق والقبائل العسكرية، حيث كانت كل جماعة تستقر في قطعة من الأرض، ومن هنا جاءت تسمية “القطائع”.

أما أحمد بن طولون، فقد نشأ في بيئة الخلافة العباسية، وظهر نفوذه خلال العصر العباسي الثاني، المعروف أيضًا بعصر النفوذ التركي، حين أصبح للقادة الأتراك تأثير واسع في الجيش وإدارة الدولة وحتى في اختيار الخلفاء وعزلهم في بعض الفترات.

واختار ابن طولون موقعًا مرتفعًا لبناء مدينته وجامعه، في منطقة عُرفت باسم جبل يشكر، وارتبطت بهذا المكان روايات شعبية متعددة، من بينها روايات تتحدث عن سفينة نوح عليه السلام واستجابة الدعاء على الجبل، وهي روايات لا تستند إلى دليل شرعي أو تاريخي حاسم وفقا للدكتور أحمد الجزيري.

ويعود إنشاء جامع أحمد بن طولون إلى سنة 265هـ، وقد تميز باستخدام الآجر والدعائم بدلًا من الاعتماد الكامل على الأعمدة الرخامية، وهو ما منح المبنى طابعًا معماريًا مميزًا.

كما كشفت الجولة عن جوانب دقيقة في التصميم، من بينها الفتحات الموجودة في الدعامات، التي تساعد على التهوية والإضاءة وتخفيف الأحمال، وهو ما يعكس فهمًا هندسيًا متقدمًا لمبادئ كفاءة البناء والاستفادة من الموارد، وهي أفكار ترتبط في المفهوم المعاصر بمبادئ الاستدامة.

ويضم الجامع عددًا كبيرًا من النوافذ ذات الزخارف المتنوعة، ويُلفت النظر فيها التنوع الفني والهندسي، إلى جانب وظيفتها في توفير التهوية والإضاءة وتقليل دخول الأتربة.

كما توقفت الجولة عند المنبر وما يحمله من زخارف هندسية ونباتية، ومنها الأطباق النجمية والأرابيسك، وهي من أبرز السمات التي ارتبطت بالفنون الإسلامية.

من الميضأة إلى الرواق والمنبر

خلال الجولة، تعرف المشاركون على عدد من المصطلحات المعمارية الإسلامية، ومنها “الرواق”، وهو المساحة الواقعة بين صفين من الأعمدة أو الدعائم، إضافة إلى “دكة المبلّغ” التي كانت تؤدي وظيفة مهمة قبل ظهور مكبرات الصوت، إذ كان المبلّغ يردد تكبيرات الإمام حتى يسمعها المصلون في الصفوف البعيدة.

كما تمت الإشارة إلى أن بعض العناصر الموجودة في الجامع تعود إلى عصور لاحقة، وليست كلها من فترة الإنشاء الأولى، وهو أمر مهم لفهم طبيعة الآثار التاريخية التي مرت عبر القرون بمراحل من الترميم والإضافة وإعادة البناء.

وتناول الدكتور تطور المحراب في العمارة الإسلامية، مع التأكيد على أن كل تجويف أو زخرفة تشبه المحراب لا تكون بالضرورة محرابًا مخصصًا للصلاة، وأن المحراب المجوف ظهر لاحقًا بوصفه تطورًا معماريًا لوظيفة تحديد اتجاه القبلة وتنظيم موضع الإمام.

الكنيسة المعلقة.. شاهد على تاريخ طويل من التفاعل الحضاري

من فضاء العمارة الإسلامية إلى فضاء العمارة القبطية، واصلت الرحلة طريقها داخل منطقة مجمع الأديان؛ حيث لا تفصل بين المعالم الدينية مسافات كبيرة، بينما تفصل بينها قرون من التاريخ والتطور المعماري.

وهنا بدت القاهرة وكأنها تفتح أمام الزائر صفحات متجاورة من تاريخها؛ مسجد، وكنيسة، وآثار تحكي عن مجتمعات وثقافات عاشت في المكان نفسه وتركت كل منها بصمتها على المدينة.

بعد جامع أحمد بن طولون، انتقلت الجولة إلى منطقة مجمع الأديان، حيث كانت المحطة الأولى الكنيسة المعلقة، التي سميت بهذا الاسم بسبب إقامتها فوق أحد أبراج حصن بابليون.

ويرتبط حصن بابليون بالعصر الروماني، بينما يرجح أن الكنيسة نفسها تعود في أصولها إلى الفترة بين القرنين الرابع والسادس الميلاديين، مع تعرضها عبر تاريخها الطويل لعمليات متعددة من الترميم والتجديد.

وتتميز العمارة القبطية، إلى جانب جمالها الفني، بالرمزية الدينية الواضحة؛ فالسقف الخشبي للكنيسة يأخذ شكلًا يشبه الجزء الداخلي من السفينة، وهو تصميم يرتبط رمزيًا بفكرة النجاة وسفينة نوح عليه الصلاة والسلام.

كما تكشف الكنيسة عن تداخل فني وثقافي لافت مع البيئة الإسلامية المصرية؛ إذ تظهر الكتابة العربية في بعض عناصرها، إلى جانب استخدام أنماط زخرفية تشترك في بعض خصائصها مع الفنون الإسلامية.

ومن أبرز عناصر الكنيسة الأيقونات، وهي صور ذات طابع ديني مقدس في التقليد المسيحي، إلى جانب الأجزاء التي ترتبط بآثار ورفات عدد من القديسين والشهداء وفق التقليد الكنسي.

كما تعرف المشاركون على “الإمبل”، وهي منصة مرتفعة يستخدمها الكاهن لإلقاء الموعظة والتعليم الديني، وهي تؤدي من حيث الوظيفة التعليمية والوعظية دورًا قريبًا من وظيفة المنبر في المسجد.

سبيل أقامه مسيحي للجميع

ومن المشاهد اللافتة في منطقة مجمع الأديان وجود سبيل يعود إلى عام 1893م، أنشأه شخص مسيحي لتوفير مياه الشرب للناس دون تمييز بين مسلم ومسيحي.

واللافت أن السبيل يحمل كتابة عربية تبدأ بعبارة «بسم الله الرؤوف الرحيم»، إلى جانب نص مسيحي باللغة اليونانية مقتبس من الإنجيل.

ويقدم هذا النموذج صورة واضحة عن التداخل الثقافي في مصر، حيث يمكن أن تجتمع في منشأة واحدة عناصر من التراث الإسلامي والعربي مع رموز ونصوص مسيحية.

جامع عمرو بن العاص.. بداية قصة الإسلام في مصر

وبعد أن كشفت الكنيسة المعلقة جانبًا من تاريخ مصر القبطي، اتجهت الجولة إلى محطة أخرى لا تقل أهمية؛ جامع عمرو بن العاص، المكان الذي ترتبط به بداية مرحلة جديدة في تاريخ مصر، حين انتقلت البلاد إلى عهدها الإسلامي وأصبحت الفسطاط مركزًا للحكم والحياة الجديدة.

هنا لا تبدو المسافة بين الكنيسة والجامع مجرد انتقال من مبنى إلى آخر، وإنما انتقال بين صفحات متعاقبة من تاريخ مدينة ظلّت قرونًا تستوعب التحولات الدينية والسياسية والثقافية من دون أن تفقد ذاكرتها.

كانت المحطة الأبرز الأخرى في الرحلة جامع عمرو بن العاص، الذي يرتبط بتاريخ تأسيس الفسطاط وبداية مرحلة جديدة في تاريخ مصر الإسلامية.

وقبل الحديث عن الجامع، تناول الدكتور الفرق بين “المسجد” و”الجامع”، موضحًا أن وصف جامع عمرو بأنه أول جامع في مصر الإسلامية لا يعني بالضرورة أنه لم توجد أماكن أخرى كان المسلمون يؤدون فيها الصلاة، وإنما يرتبط المصطلح بالوظيفة الجامعة للمسجد، ولا سيما إقامة صلاة الجمعة والاضطلاع بأدوار دينية وعلمية واجتماعية أوسع.

وترتبط قصة الجامع بشخصية عمرو بن العاص، أحد أبرز قادة المسلمين في القرن الأول الهجري.

وكان عمرو بن العاص من كبار رجال قريش، وعُرف قبل إسلامه بالذكاء وقوة الحجة والقدرة على الإقناع، حتى أرسلته قريش إلى الحبشة للتفاوض بشأن المسلمين الذين هاجروا إليها.

لكن حياته تغيرت بعد إسلامه، إذ أصبح من أبرز قادة الدولة الإسلامية، واعتمد عليه النبي صلى الله عليه وسلم في عدد من المهام، ومن أشهرها سرية هدم صنم سُواع سنة 8هـ.

ثم واصل دوره في عهد أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وشارك في فتوح الشام وفلسطين، واشتهر في الروايات التاريخية بمواجهته لأرطبون الروم، حتى نُسب إلى عمر بن الخطاب قوله: “قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب”.

وبعد فتح الشام وفلسطين، اقترح عمرو بن العاص على عمر بن الخطاب فتح مصر، فبدأت الحملة سنة 19هـ تقريبًا، واكتمل فتح الإسكندرية سنة 20هـ/641م.

لكن قصة جامع عمرو بن العاص لا تنفصل عن قصة المدينة التي نشأت حوله، ولا عن السؤال الأكبر الذي واجه المسلمين بعد فتح مصر: أين يكون مركز الحكم؟

ومن هذا السؤال تبدأ حكاية الفسطاط، وتبدأ معها قصة اختيار موقع العاصمة الجديدة.

لماذا لم تصبح الإسكندرية عاصمة لمصر؟

بعد فتح الإسكندرية، رأى عمرو بن العاص أنها مدينة عظيمة ومؤهلة لتكون عاصمة لمصر، لكن عمر بن الخطاب لم يوافق على ذلك، نظرًا إلى موقعها الساحلي وبعدها عن مركز الدولة وخشية تعرضها لهجمات بحرية.

وبذلك كان اختيار الفسطاط قرارًا ذا أبعاد استراتيجية، وليس مجرد اختيار عشوائي.

وتوضح هذه الرؤية أن موقع العاصمة كان مرتبطًا منذ ذلك الوقت بعوامل الأمن والدفاع والجغرافيا السياسية، وهي اعتبارات ما زالت حاضرة في اختيار مواقع العواصم الحديثة؛ ومن الأمثلة على ذلك انتقال عاصمة تركيا الحديثة من إسطنبول إلى أنقرة، التي تقع في الداخل بعيدًا عن الساحل.

الفسطاط.. الخيمة التي أصبحت مدينة

يرتبط اسم “الفسطاط” في اللغة العربية بالخيمة، وأصبحت المدينة بمثابة المركز الذي اجتمع فيه المسلمون بعد فتح مصر.

وتروي بعض الروايات الشعبية أن عمرو بن العاص عندما عاد إلى موضع معسكره وجد حمامة قد باضت فوق خيمته، فترك الخيمة ولم يزعجها، ثم بنى المدينة حولها. إلا أن اختيار موقع الفسطاط لم يكن قائمًا على هذه القصة وحدها، بل يرتبط بعوامل جغرافية وعسكرية واقتصادية، منها القرب من النيل والأراضي الزراعية ووجود مناطق مرتفعة نسبيًا تساعد على الحماية.

كما ارتبطت المنطقة المحيطة بالفسطاط باسم “القرافة”، نسبة إلى قبيلة بني قرافة التي سكنت المنطقة.

وفي قلب الفسطاط أُنشئ جامع عمرو بن العاص، الذي كان في بدايته أصغر بكثير من مساحته الحالية؛ إذ مر عبر القرون بمراحل متعددة من التوسعة وإعادة البناء.

لم يكن الجامع الذي يراه الزائر اليوم هو الجامع نفسه الذي عرفه أهل الفسطاط في بدايات المدينة؛ فالمبنى، مثل المدينة من حوله، تغير واتسع وأعيد بناؤه مرات عديدة.

ومع كل توسعة لم يكن الجامع يزداد مساحة فحسب، بل كان يزداد حضورًا في حياة المجتمع، حتى تحول تدريجيًا إلى مؤسسة للعبادة والعلم والإدارة.

جامع عمرو.. من مسجد صغير إلى مركز علمي

كان الجامع في بدايته مركزًا للعبادة والإدارة في الوقت نفسه، ولم يكن مجرد مكان لأداء الصلاة.

وكان بالقرب منه بيت المال، حيث كانت تجمع أموال الزكاة والخراج وغيرها من الأموال العامة، قبل أن تتغير وظيفة المكان وتُنشأ الميضأة الموجودة حاليًا في موضعه.

كما كان الجامع مركزًا لإدارة شؤون الدولة والمجتمع، وكانت تعقد فيه الدواوين وتناقش فيه القضايا المالية والإدارية.

ومع مرور الزمن توسع الجامع عدة مرات، ومن أبرز مراحل التوسعة ما ارتبط بالعصر الأموي في عهد مسلمة بن مخلد سنة 53هـ، ثم توسعة قرة بن شريك سنة 93هـ، التي ارتبطت في الروايات بإنشاء المحراب المجوف، ثم توسعة كبيرة في العصر العباسي في عهد عبد الله بن طاهر سنة 212هـ.

وهكذا أصبح الجامع عبر القرون مؤسسة دينية وعلمية كبرى، وليس مجرد مبنى للصلاة.

الجامع في العصر الفاطمي والأيوبي والمملوكي

استمر جامع عمرو بن العاص في أداء دوره خلال العصر الفاطمي، رغم الاختلاف المذهبي بين السلطة الفاطمية ذات الاتجاه الإسماعيلي وبين التقليد السني الذي ارتبط بالجامع.

وكان الخليفة الفاطمي يحضر إلى الجامع لصلاة الجمعة في آخر جمعة من رمضان، التي عرفت باسم “الجمعة اليتيمة”.

ثم شهد الجامع أعمال ترميم وتجديد في العصر الأيوبي، من بينها ما ارتبط بصلاح الدين الأيوبي، كما أضيفت إليه عناصر وترميمات أخرى في العصر المملوكي.

أما بعض الروايات المتعلقة بمنع التراويح في العصر الفاطمي وما تعرض له بعض الأئمة، فهي روايات تحتاج إلى التوثيق ولا ينبغي تقديم تفاصيلها باعتبارها حقائق تاريخية قطعية دون مصادر موثوقة.

بين الحقيقة التاريخية والحكاية الشعبية

وكما ارتبطت الفسطاط والكنائس والمساجد بقصص شعبية كثيرة، ارتبط جامع عمرو بن العاص أيضًا بعدد من الحكايات التي تناقلها الناس.

ومن أشهرها قصة عمودين كان المرور بينهما صعبًا، ففسر بعض العامة ذلك باعتباره اختبارًا للذنوب؛ فمن استطاع المرور كان بلا ذنوب، ومن لم يستطع كان كثير الذنوب.

كما ارتبط أحد الأعمدة المتشققة برواية شعبية تزعم أن عمر بن الخطاب أراد نقله من المدينة إلى مصر، وأن العمود قاوم النقل، ثم أصبح التشقق أثرًا للضرب. وهذه الروايات لا تستند إلى أدلة تاريخية موثوقة، لكنها تكشف كيف يصنع المجتمع المحلي حكاياته حول الآثار والأماكن القديمة.

جامع عمرو.. منارة للعلم

بعيدًا عن الروايات الشعبية، يبقى الدور العلمي للجامع واحدًا من أهم جوانب تاريخه.

فقد أقام الإمام محمد بن إدريس الشافعي في مصر، وكانت له حلقة علم في جامع عمرو بن العاص، وأسهم وجوده في تعزيز مكانة المذهب الشافعي في مصر.

ومن هنا تفتح الجولة نافذة أخرى على التنوع الفقهي في العالم الإسلامي؛ فالمذهب الشافعي له حضور تاريخي قوي في مصر، وكذلك في بلاد مثل إندونيسيا وماليزيا، بينما يغلب المذهب المالكي في المغرب وشمال إفريقيا وأجزاء واسعة من غرب إفريقيا، وينتشر المذهب الحنفي تاريخيًا في مناطق واسعة من وسط آسيا وتركيا، إلى جانب وجود المذاهب الأربعة في الحجاز ومناطق أخرى.

وهذا التنوع الفقهي لم يكن عشوائيًا، بل تأثر بمراكز العلم وطرق التجارة والدول والممالك التي تبنت مذاهب معينة.

رحلة بين العمارة والتعايش

وبين جامع أحمد بن طولون والكنيسة المعلقة وجامع عمرو بن العاص، كشفت الرحلة عن صورة أوسع من مجرد زيارة لمبانٍ تاريخية.

فالعمارة في هذه المنطقة تعكس تفاعلًا طويلًا بين الحضارات والأديان والثقافات. فقد أعيد استخدام الأعمدة ومواد البناء عبر عصور مختلفة، ولم يكن انتقال العناصر المعمارية بين المباني حكرًا على حضارة واحدة.

كما تكشف التفاصيل الفنية عن قدرة الفنان المصري على الجمع بين الوظيفة والجمال، سواء في الدعامات والفتحات والفسيفساء والمنابر والأرابيسك في المساجد، أو في الأيقونات والأسقف الخشبية والحواجز والزخارف في الكنائس.

وهكذا تحولت رحلة اليوم إلى درس حي في التاريخ والعمارة والجغرافيا السياسية والتنوع الديني، وأكدت أن القاهرة التاريخية ليست مجرد مجموعة من المباني القديمة، وإنما سجل مفتوح لتاريخ مصر، تتجاور فيه آثار الحضارات وتتداخل فيه الثقافات، وتبقى فيه شواهد الماضي حاضرة أمام الأجيال الجديدة.

وبعد أن تتبع المشاركون نشأة الفسطاط وتطور جامع عمرو بن العاص، قادتهم الرحلة إلى مرحلة أخرى من تاريخ القاهرة؛ إلى العصر الفاطمي، حيث تبدلت ملامح المدينة وبرزت عمارتها الخاصة، وكان جامع الحاكم بأمر الله أحد أبرز الشواهد على ذلك العصر.

جامع الحاكم بأمر الله: لمحة تاريخية ومعمارية

يُعد جامع الحاكم بأمر الله من أبرز المعالم الفاطمية في القاهرة، ويكشف تاريخه عن جانب مهم من تطور المدينة والعمارة الإسلامية فيها. وقد جاء إنشاء الجامع في سياق التوسع العمراني وزيادة عدد السكان في القاهرة الفاطمية، بعد أن أصبح الجامع الأزهر غير كافٍ لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المصلين.

بدأ بناء الجامع في عهد الخليفة العزيز بالله الفاطمي، ثم اكتمل في عهد ابنه الحاكم بأمر الله. وكان الجامع عند إنشائه خارج أسوار القاهرة، قبل أن تُعاد صياغة حدود المدينة وأسوارها في فترات لاحقة، فأصبح الجامع داخل نطاق القاهرة المسوّرة.

ويتميز الجامع بعناصر معمارية تعكس خصوصية العمارة الفاطمية، إلى جانب تأثيرات قادمة من شمال أفريقيا. ومن أبرز هذه العناصر المداخل البارزة التي تتقدم عن مستوى الواجهة، وهي سمة يمكن ملاحظة نظائر لها في بعض المساجد القديمة في المهدية بتونس. ويرتبط ذلك بالخلفية التاريخية للفاطميين الذين قدموا من شمال أفريقيا، فنقلوا معهم بعض التقاليد والعناصر المعمارية إلى مصر.

كما يضم الجامع عناصر أساسية في تخطيط المساجد، مثل الميضأة والصحن والأروقة. ويُقصد بالرواق المساحة الواقعة بين صفين من الأعمدة أو الدعائم. وتختلف تفاصيل هذه العناصر وتسمياتها باختلاف المناطق والعصور، وهو ما يعكس التنوع الكبير في العمارة الإسلامية بين مصر وشمال أفريقيا والحجاز واليمن والهند وبنغلاديش وإندونيسيا وغيرها.

ومن العناصر اللافتة في الجامع وجود المحاريب غير المجوفة، التي لا تؤدي بالضرورة وظيفة المحراب المخصص للإمام، وإنما يرتبط بعضها بالزخرفة والتكوين المعماري. كما تظهر الكتابات والزخارف، ولا سيما الخط الكوفي، الذي يمثل أحد السمات البارزة في الفن والعمارة الفاطمية.

ويرتبط الجامع كذلك بشخصية الحاكم بأمر الله، أحد أكثر خلفاء الدولة الفاطمية إثارة للجدل في المصادر التاريخية. فقد نُسبت إليه مجموعة من القرارات والإجراءات الغريبة، إلا أن كثيرًا من هذه الروايات يحتاج إلى التحقق، إذ اختلطت في بعض المصادر الرواية التاريخية بالمبالغة والأسطورة.

وكان الحاكم بأمر الله مهتمًا بعلم الفلك والرصد، وكان يخرج إلى جبل المقطم في بعض الليالي لمراقبة النجوم. وفي إحدى المرات خرج ولم يعد، واختلفت الروايات في مصيره؛ فهناك رواية تقول إنه قُتل، ونُسب تدبير مقتله إلى أخته ست الملك، بينما ظهرت روايات أخرى بين بعض أتباعه تقول إنه لم يمت، وإنما اختفى وسيعود في آخر الزمان. وقد ارتبطت بعض هذه المعتقدات لاحقًا بتطورات داخل التيارات الإسماعيلية.

كما شهد العصر الفاطمي أحداثًا سياسية واجتماعية بالغة الأهمية، ومن أبرزها الشدة المستنصرية، التي وصلت خلالها مصر إلى أزمة اقتصادية ومجاعة شديدة. وتذكر بعض المصادر روايات قاسية عن معاناة الناس في تلك الفترة، قبل أن يتدخل بدر الجمالي ويعمل على إعادة الاستقرار إلى البلاد.

وبعد وفاة المستنصر بالله، نشأ خلاف حول مسألة الخلافة والإمامة بين أنصار ابنه الأكبر نزار وأنصار الابن الأصغر، وأدى هذا الخلاف إلى انقسام مهم داخل الإسماعيلية. ومن هنا ظهرت الإسماعيلية النزارية التي ارتبط تاريخها لاحقًا بحسن الصباح وما عُرف في المصادر الغربية باسم «الحشاشين»، ثم استمر الخط النزارِي عبر القرون حتى ارتبط في العصر الحديث بمؤسسة الإمامة الإسماعيلية النزارية وأسرة آغا خان.

وفي المقابل، يمثل البهرة فرعًا آخر من الإسماعيلية، وليسوا من النزارية. وقد ارتبطوا بالتراث الفاطمي في القاهرة ارتباطًا خاصًا، وكان لهم دور بارز في تمويل أعمال ترميم جامع الحاكم بأمر الله.

وفي العصر الحديث، خضع الجامع لأعمال ترميم واسعة، ساهمت طائفة البهرة في تمويلها على نفقتها الخاصة. وهدفت أعمال الترميم إلى الحفاظ على الطابع الفاطمي للجامع وإعادته إلى صورة أقرب إلى هيئته التاريخية، مع إعادة تنفيذ بعض الزخارف والكتابات وفق الأسلوب الفاطمي.

ومع ذلك، فإن الجامع لا يمثل مرحلة تاريخية واحدة فقط؛ فقد أضيفت إليه عناصر في عصور لاحقة، ومن بينها بعض أجزاء المآذن، ولذلك يمكن للزائر أن يلاحظ تداخل العناصر الفاطمية مع الإضافات المعمارية اللاحقة. وهذا التراكم يجعل الجامع وثيقة معمارية حية تعكس تاريخ القاهرة عبر عصور متعددة.

ومن الملاحظ أيضًا أن بعض الزوار من البهرة يرتبطون بالجامع ارتباطًا دينيًا خاصًا، وقد تظهر لديهم بعض الممارسات الفقهية المختلفة، ومنها استخدام التربة الحسينية للسجود. وهذه الممارسة مرتبطة بعقائد وممارسات لدى بعض الجماعات الشيعية، ولا يصح تعميمها على جميع الشيعة أو جميع أتباع البهرة.

وتكشف زيارة جامع الحاكم بأمر الله في النهاية أن هذا الأثر ليس مجرد مبنى ديني، وإنما هو شاهد على مراحل متعددة من تاريخ القاهرة؛ فهو يجمع بين السياسة الفاطمية، والتطور المعماري، والتنوع المذهبي، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية، ثم مراحل الإهمال والترميم في العصر الحديث.

ومن خلال دراسة الجامع يمكن كذلك فهم طبيعة العمارة الإسلامية بصورة أوسع؛ فالعمارة الإسلامية لم تكن ذات طراز واحد ثابت، بل تأثرت في كل منطقة بالبيئة والثقافة والتقاليد والمواد المحلية، ولذلك نشأت أنماط معمارية متنوعة، مع احتفاظها في الوقت نفسه بعناصر مشتركة تجمعها ضمن إطار الحضارة الإسلامية.

القاهرة.. حين تتحول الآثار إلى ذاكرة حية

مع نهاية الجولة، لم يعد جامع أحمد بن طولون مجرد نموذج للعمارة الطولونية، ولا الكنيسة المعلقة مجرد أثر قبطي، ولا جامع عمرو بن العاص مجرد أقدم جامع في مصر الإسلامية؛ فقد تحولت هذه المعالم، في عيون الزائرين، إلى صفحات متتابعة من كتاب واحد عنوانه تاريخ مصر.

ومن القطائع إلى الفسطاط، ومن القاهرة الفاطمية إلى القاهرة التي احتضنت لاحقًا عصورًا متعاقبة، كشفت الجولة كيف تتغير المدن بينما تبقى آثارها شاهدة على ما مر بها.

وأبدى الأئمة والوعاظ الوافدون إعجابهم بالحضارة المصرية، كما أعربوا عن تقديرهم للأزهر الشريف وما يقوم به من دور في نشر تعاليم الإسلام وفق منهج وسطي معتدل، مؤكدين أنهم سيعودون إلى بلادهم حاملين معهم ما تعرفوا عليه خلال الرحلة، ليكونوا سفراء لما شاهدوه من حضارة مصر ورسالة الأزهر.

وهكذا انتهت الرحلة، لكن الأسئلة التي أثارتها بقيت مفتوحة: كيف تصنع المدن ذاكرتها؟ وكيف تتجاور الأديان والثقافات في مكان واحد؟ وكيف يمكن لمبنى عمره أكثر من ألف عام أن يظل قادرًا على رواية قصته لأجيال جديدة؟

ربما هنا تكمن قيمة القاهرة التاريخية؛ فهي لا تعرض الماضي في متحف مغلق، بل تتركه حيًا في شوارعها ومساجدها وكنائسها، بحيث يصبح السير بين معالمها نوعًا من قراءة التاريخ على الأرض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى